Movie Talk – The Shadow Self

The Shadow Self – Movie Talk

من كتابة وإعداد عبدالله خالد الصراف

The Shadow Self

في أواخر شتاء عام 2014, محض مشاهدتي لفيلم الرُعب “ذي بابادوك”, ذهلت ببراعة المُخرجة الإسترالية  “جينيفر كينت” في طرحها لحكاية نفسية مجازية من خلال سرد منظبط ومفصل كمله أداء ثوري ومتقن من الممثلة  “إيسي ديفيس”, حيث إنغمس فكري في لب القصة أحاول فهم جميع التشبيهات المجازية التي قدمها الفيلم في الإخراج والنص معاً.

من جانب اَخر, لم أستطع تجاهل التشابه بينه وبين فيلم الدراما  “ذي بلاك سوان” من إخراج “دارين أورونوفسكي” ومن تمثيل “ناتالي بورتمان” التي حازت على جائزة الأوسكار لأدائها في الفيلم, حقاً, وجدت محض إستنتاجي الشخصي بأن العناصر النفسية في الفيلمين يأتون من إلهام واحد, لكنهم يختلفون طبعاً في طريقة السرد.

من خلال هذه المقالة, أود بأن أطرح تحليل مفصل ودقيق للفيلمين من حبكة, شخصيات, أحداث وعبر, بينما سألقي بتركيزي على الإلهام المستوحى خلفهم والذي من وجهة نظري, جعل منهم عملين إستثنائيين جديرين بلقب “فناً عظيماً”.

قبل بدئي في مناقشة الفيلمين, أود أولاً بأن أتحدث عن الإلهام الذي ذكرته مسبقاً, عند مشاهدتي لكلا الفيلمين, لم أنفك بالتفكير في العالِم النفسي الشهير “كارل جنغ” و في نظيرته الثورية في علم النفس والتي يطلق عليها ب “ظل النفس” أو بالإنجليزية: The Shadow Self.

يتلخص تعريف هذه النظرية بأن “ظل النفس” هو ببساطة الجانب المخفي أو اللاواعي من شخصية الإنسان, حيث يأتي هذا الجانب على شكل ظل يتمحور خلف الشخص والتي تجهله الذات نفسها, مكون من كل ما تم إنكاره ورفضه أو كل ما لم يتم التعبير عنه بشكل واعي من قبل الشخص نفسه أو بسبب قمع متعمد من البيئة حوله.

NYT09292012rev

جميعنا يمتلك “ظل النفس” بحسب ما أتاه “كارل جنغ”, هوية أخرى تختبئ في باطن اللاواعي تجهله الشخصية, يعود السبب لهذا على الأغلب بأن الشخص قد يستنكر الجوانب الغير محبوبة أو الغير مقبولة فيه من المجتمع نظراً لطابعها السوداوي والسلبي, أو لسبب معاناة الشخص من إنعدام ثقة النفس أو عدم تقبل الذات الشديد, في كلا الحالتين, يقوم الشخص بدفع تلك الجوانب التي تم ذكرها بعيداً عن وعيه, فتتراكم وتتفاقم وتظهر لاحقاً عى هيئة “الظل”.

beyond-the-visible-1-29-728

فقط لأننا نكرنا ورفضنا تلك الصفات. المشاعروالتعبيرات السلبية عن وعينا لا يعني بأننا نجحنا في محوها من ذاتنا, كل ما فعلناه هنا هو دفعها إلى لاوعينا الباطن, ولهذا السبب قد يأتينا الظل بأي شكل من الأشكال لاحقاً طالباً منا مواجهته للتعبير عن جميع تلك الجوانب المذكورة بشكل واعي حتى يكتمل كياننا وتتصالح الذات مع نفسها, وكلما قل وعينا بهذا الظل وما يحمله, كلما إزدادت سوداويته وإزداد كيانه في لاوعينا الباطن.

your_shadow_by_the_nika-d4mvigk

مثلما نتملك جميعاً  “ظل النفس” كما ذكرت, فجمعينا يمتلك أيضاً شخصية مستقلة نعبر فيها عن هويتنا, هذه الشخصية بعكس الظل, تكونت بمحض إرادتنا, فكوننا كائنات إجتماعية بطبعنا, نقوم بتمتعن وبحذر عند نمونا في رسم شخصيتنا عن طريق تحديد ومراقبة أفكارنا, مشاعرنا وأفعالنا لكي نكتسب التقبل الإجتماعي في البيئة من حولنا. ومن المثير للإهتمام, هو أن كلمة  شخصية أو شخص تأتـي من أصل أغريقي  (بالإنجليزية: Persona)

والتي تعني حرفياً ب:  “قناع”, مما يلخص ما ذكرته أعلاه, فالشخصية أو الشخص الذي نحن عليه هو حقاً مجرد قناع تم إقتنائه بحذر ليكن في مجتمعنا وبيئتنا مكانه ومنزلة لنا, وفي مواجة  “الظل” الذي يقبع في باطننا, فإننا نزيل ذلك القناع من علينا لمواجهة بقايا أنفسنا المجهولة.

31602-mask

وهنا نصل إلى الفيلمين المنشودين, الذين قدموا بفطنه مثالين رائعين لإمرأتين قد تم مهاجمتهم وملاحقتهم من قبل ذلك  “الظل” المخيف والأبغض, طالباً منهم الشجاعة والمواجهة بدلاً من الخوف والفرار.

“ذي بابادوك”, حكاية مخيفة عن مواجهة الذات.

الحبكة:

أم وحيدة تتأقلم مع فقدان زوجها جراء حادث عنيف, تصارع خوف إبنها من وحش يتسول في المنزل, ولكنها تكتشف بعدها بوجود شيئ خبيث يترعرع من حولها.

أميليا:

Amelia

في الثلاثينات من عمرها, أميليا تعاني من ضغط عصبي مزمن نتيجة فقدانها لزوجها في حادث سيارة عندما كانت في طريقها إلى المستشفى مع زوجها لولادة إبنها “سام”, مظطرة بأن تتذكر زوجها المتوفي كلما نظرت في وجه إبنها, تسأم أميليا من سام لشغبه المبالغ فيه ولفرط نشاط حركته بينما تحاول بيأس في السيطرة على سلوكه.

7

من أول لقطة تصويرية نلمح فيها سام, نراه يرتدي حلة تنكرية حاملاً معه أسلحة دفاعية ل“مقاتلة الوحوش” كما يصرح هو لأميليا, منذ البداية, نلحظ نحن المشاهدين بهوس سام الغير منطقي في الوحوش وفي الرغبة بقتالهم لحماية نفسه ووالدته منهم, بينما تسعى أميليا بأن تؤكد له بأن الوحوش هي إستنتاجات خيالية و ليس لها وجود على أرض الواقع.

9

في الربع الأول من الفيلم, نرى التحديات التي تواجهها إميليا في تربيتها لطفل صعب المراس وغير سوي والذي راح يتشرب الحياة من جسدها, تاركها في بؤس وإستسلام للواقع.

4

 ليس هذا فقط, بل على أميليا أن تواجه أيضاً صعوبات في عملها نظراً لطبيعة هذا العمل, فهي تقوم برعاية العجائز في مأوى سكني, مما يتطلب منها طولة البال والمثابرة في إعانة المرضى المسنين وتلبية مطالبهم وإحتياجاتهم بشكل متواصل.

Untitled

تبدأ الأمور في أخذ منحدر مختلف عندما تفتح أميليا باب منزلها ذات يوم لتجد كتاباً أحمر مستلقياً على الأرض, حيث يقرا ب: “السيد بابادوك”, تلتقطه أميليا وتدخل للمنزل,

Untitled

فور فتحها الكتاب, تقفز صوراً مرعبة لوحش مريب يملأ صفحات الكتاب تترأسه مقولات كتابية, مما يأرق أميليا, التي راحت تتسائل عن سبب وجوده أمام منزلها ولأي غرض بالظبط,

334

“دعيني أدخل!”. “ستبدئين بالتغيير فور دخولي”, “تيك توك تيك توك, لا يمكنكِ التخلص من البابادوك”.

ترتعب أميليا من محتويات الكتاب الغامضة, وما إن أنتهت من تصفحه حتى قامت برمي الكتاب فوق خزانة الملابس.

البابادوك:

منذ دخول الكتاب في المنزل, تستحوذ حياة أميليا أحداث ووقائع غريبة, ذكريات مؤلمة لزوجها المتوفي تبدأ في الظهور, بالإضافة إلى كوابيس متتالية ويومية, تقوم أميليا بوصل العلاقة بين الأثنين عندما تسمع إبنها سام يصرخ في الأعلى, تدخل إميليا الغرفة فتجد سام ملقى على الأرض يتمتم بخوف وهلع: “لا تدعيه يدخل, لا تدعيه يدخل!” بينما قام بالتأشير على الكتاب فوق الخزانة, تستنتج إيميليا بأن للكتاب ربما حظ سيء أم تعويذة شيطانية على المنزل وتقرر بتمزيقه والتخلص منه.

gg

لسوء الحظ, تخفق أميليا في التخلص من الأحداث الغامضة في منزلها, بل بالعكس تماماً, تزداد هذه الوقائع بشدتها وتتفاقم, تبدأ أميليا برؤية الوحش في كتاب “السيد بابادوك” أمامها, غالباً في الظلام, مما يضع أميليا في حالة هستيريا وهلع, عاجزة عن إيجاد منطق أم مخرج لكابوسها الجديد.

11

يتميز البابادوك بشكل إحادي وغامض, بينما يظهرخلال الفيلم على شكل ظل اسود قاتم دون ملامح واضحة تستطيع أميليا أو نحن المشاهدين بالتعرف عليها, وغالباً ما يظهر في زوايا عدسة الفيلم ولمدة قصيرة جداً لا تتجاوز ثوانٍ.

10

رغم خوفها الشديد من البابادوك, تحاول أميليا بيأس في أن تتجاهله حالما ظهر, على أمل في أن تستمر هي بحياتها الطبيعية كما في السابق, لكن على ما يبدوا بأن تحذيرات البابادوك هي في الواقع صحيحة, “ستبدئين بالتغيير فور دخولي” فعلاً, تبدأ سلوكيات أميليا في التغيير,  وتصبح شيئاً بشيئاً أكثر عدوانية وغضب, سام أيضاً, يتملكه الرعب وعدم الشعور بالأمان, فنراه بشكل متواصل مرتدياً حلته التنكرية حاملاً أسلحته, أكثر مما رأيناه في بداية الفيلم بشكل ملحوظ.

1

تزداد الأمور غرابة, تلحظ أميليا الحشرات تخرج من الحيطان, وتأخذ أسقفة المنزل في التصدأ, فيؤكد كتاب “السيد بابادوك” لأميليا بأن كل من في المنزل وماعليه تحت سيطرته الشريرة والطاغية.

 “من هو هذا البابادوك؟ ومالذي يسعى خلفه؟ وماهي غاية وسيلته؟” حسناً, هنا نأتي إلى نظرية “كارل جنغ”, التي ناقشتها سابقاً, وقبل إجابتي على الثلاث أسئله أعلاه, أود في البداية أن أوضح بأن الفيلم هو حقاً مجازي وليس حرفي, أي علينا بالنظر في أحداثه من جانب علم النفس والسيكولوجي بدلاً من جانب معرفتنا لأفلام الرعب الإعتيادية والتي غالباً ما تكون أحداثها حرفية مقتبسة من الواقع,

shadows

من وجهة نظري, البابادوك هو ظل أميليا, لاوعيها الباطن الممتلئ بكل ماقامت هي بكبته أو ردعه من وعيها الحسي, والتي لم تعبر عنه أميليا بأي شكل من الأشكال, والذي أتى الاَن ساعياً لمواجهة أميليا طالباً إعترافها به.

كما ذكرت سابقاً, جميعناً نمتلك البابادوك في داخلنا, وكلما نكرنا أنفسنا أم رفضناها كلما زادت قوته وضغينته,

3

5

ما أن يوضح لنا الفيلم بأن البابادوك هي أميليا ذاتها, حتى نشهد وجه مختلف تماماً عن تلك المرأة المهزومة والمنكسرة في الأرباع الثلاث الأولى من الفيلم, والتي إستبدلها الأن وحش مخيف بداخله لاشيئ سوى غضب, ضغينة وعنف.

تقوم أميليا بقتل الكلب الأليف خاصتها بشراسة وقسوة, وتهرع بعدها إلى إبنها لمهاجمته,

6

4

تبدأ نظرية  “كارل جنغ” في الظهور أكثرعندما تواجه أميليا إبنها سام في غرفة النوم بالأعلى, حيث تلفظ هي بكل ما قامت في كبته سابقاً من مشاعر سلبية وأفكار عدوانية, تلك التي قد نمتلكها جميعاً بين حين واَخر.

تصرخ أميليا بأعلى صوتها مما ينتج في تبول سام على نفسه, “أيها الخنزير, عمرك 6 أعوام ومازلت تتبول على نفسك, ..أتعلم عدد المرات التي تمنيت فيها بأن تكون أنت وليس هو من مات” تقصد هنا زوجها المتوفي, ” أحياناً أرغب في أن أصطدم رأسك الصغير في الحائط حتى يخرج مخك اللعين.”

Untitled

يرد عليها سام ب: “أنتِ ليس أمي” فترد أميليا بنبره تهديدية: “ما الذي قلته؟” يصرخ سام مجيباً: “قلت, أنتِ ليست أمي!”

فتصرخ أميليا مجدداً بكل قوتها: “أنا أمك!

يهرب سام بينما قامت أميليا بملاحقته, فيوضح لنا الفيلم دلالة أخرى, سام كان مُحقاً, الوحش حقيقي, وإرتدائه لذلك الزي التنكري مع الأسلحة هو وسيلة دفاع يحتفظ بها سام لتوفر له ولو بالقليل من الشعور بالحماية, فهو حرفياً يتم إعتقاله رهينة داخل هذا المنزل مع وحش ذو طبيعه وحشية وفتاكة.  

سام إستطاع على أن يستشعر بمدى إظطراب والدته الداخلي وبتلك الوحشية المكبوته فيها, وكونه صغير السن فقد ترجم عقله هذا العلاقة الإضطهادية والغير متوازنة بينه وبين والدته بشكل مجازي, وأصبح يحتاط بالأسلحة خوفاً من ”الوحوش” الذين يتسولون في منزله.

8

تفقد أميليا السيطرة بنفسها كلياً ويأخذ البابادوك زمام الأمور, في عدوانية وشر, تنقض أميليا على سام وتحاول خنقه.

Untitled2

فيحاول سام متشبثاً بالحياة في لمس أمه بلطف على أمل أن تتركه وشأنه, فجأة, تدفعه أميليا بعيداً بينما يقوم رأسها في الدوران بشكل غريب وكأنها مسكونة, نراها تركع على ركبتيها,

ll

تتقيأ أميليا سائل أسود, مما يوضح خروج البابادوك منها, أو.. بما أن هذا الشيئ غير ممكن بتاتاً, كونه جزء لا يتجزأ منها, بالأصح تستعيد أميليا السيطرة على نفسها,

7

تهرع أميليا إلى سام وتحتظنه, وتذهب به إلى غرفة النوم بالأعلى, هي وهو ضد البابادوك, الذي راح يحطم نوافذ المنزل ويمزق الجدران, تذكيراً لأميليا على أن لا تستخف به وبضغينته الفتاكة.

مواجهة البابادوك:

إقتباساً ل“كارل جنغ”, في إحدى كتاباته إستنتج هو بأن الشخص سيقوم بأي عمل أوفعل مهما كانت غرابته..فقط ليتجنب مواجهة ظله, لكنه يؤكد مراراً وتكراراً بأنه هذا ما يجب على الشخص فعله.

Untitled

المرء لايصبح كاملاً حتى يعترف بكل ماهو عليه وبكل جوانب ذاته, لكن للإعتراف والمواجهة يجب عليه بأن يغوص في أعماق باطنه الاوعي لأستخراج تلك الجوانب التي تم أما كبتها أو عدم التعرف عليها من الأساس.

وهنا يوضح الفيلم في المشاهد الأخيرة دخول أميليا في باطنها الاواعي, وندخل نحن المشاهدين في أبعاد نفسية بحتة لإستكشاف هذا الباطن ومحتوياته.

تتشبث أميليا بإبنها سام على السرير بينما راح المنزل بأكمله في الإرتجاج والإرتعاش, حيث تحطمت النوافذ وتشققت الحيطان, ربما ليوضح لنا الفيلم من جانب مجازي نفسي, بأن الأسس في أميليا ذاتها أصبحت بأكملها مرجوجة, تكمن على المحك.

تصرخ أميليا بأعلى صوتها: “ما الذي تريده؟” مُحدقة بالظلام أمامها,

fffg

فجأة, يعم الهدوء في المكان, وتتفاجأ أميليا بظهور زوجها المتوفي, تتقدم بخطواتها إليه ببطئ وروية, حيث تكمن الإجابة, فكل ما يريده البابادوك منها هو ذلك الحزن وذاك الأسى, التعزية التي لم تقدمها هي لنفسها عند وفاة زوجها.

3

تنهار أميليا على الأرض, حيث يملأها مزيج قوي من الغضب والحزن, وأخيراً على إستعداد لترك ذكرى زوجها الأليمه تذهب.

 يعود الإرتجاج والإرتعاش في المنزل, ونرى أطراف أجنحة البابادوك تظهر في الظلمة, طالباً هو من أميليا المواجهة الحتمية.

1

رغم خوفها, تقف أميليا بوجه البابادوك وتصرخ:

“أنت لاشيء. لاشيئ, أنت في منزلي, أنت دخيل على منزلي, إن لمست إبني مرة اخرى سوف اقتلك!”

yty

trtrt

كلما صرخت أميليا كلما كبر حجم البابادوك, “كلما نكرتني كلما إزددت قوة”, أي أنه في حال لم تتعامل أميليا مع تلك المشاعر السلبية والمعقدة التي تمتلكها, فستكبر هذه المشاعر وتمتلئ بداخلها وفي وقتٍ ما بالنهاية ستتسرب منها وتخرج بشكل على الأغلب وحشي وعنيف.

 بعدها, ظهر البابادوك بحلة ظل عملاق أمامها وكأنه سينقض عليها بأي لحظة, لكنه لم يفعل أبداً, بل حدث النقيض تماماً, تقدم البابادوك إلى الأمام كاشف حلته وسقط على الأرض!

2

يوضح لنا المشهد هذا بأن البابادوك ليس له قوة حقاً, سوى تِلك التي قد تقدمه أميليا له, فهو مجرد ظلها, عقلها الباطن الذي ظهر بشكل عشوائي بعد زمن طويل من الإهمال والنكران.

the-shadow-self

ما إن إقتربت أميليا إلى البابادوك حتى نهض هو من أمامها, مما يصيبها بالذعر عند رؤيتها القريبة والمجازية لنفسها الباطن.

9

يهرع البابادوك مسرعاً إلى الاسفل وينزل إلى المراَب, مما يأتي للمشاهد بمعنى جديد له صلة بحبكة الفيلم.

المراَب, الماضي القاتم لأميليا وإبنها سام:

كما وضحت سابقاً, الفيلم بشكل عام هو مجاز لأسى أميليا وحزنها المكبوت, وفي المشهد المذكور سابقاً الذي هرع البابادوك فيه مسرعاً إلى المراَب نصل نحن إلى المعنى الذي يوصل لنا العلاقة بين أميليا وسام وعلاقتهم بالبابادوك الذي ظهر فجأة في حياتهم.

سام كبر من غير أب, بينما يعيش مع أم تحتفظ بجميع حاجياته في مراَب مقفل, من الواضح بأن أميليا لديها ولو القليل من الرفض وعدم التقبل لإبنها لأسباب تعود على أنها تلقي القليل من اللوم عليه بفقدان زوجها, (يتم توضيح هذه النقطة في بداية الفيلم), سام يستشعر بهذا الرفض والبعد العاطفي من والدته, وهو يرى فيها هذا البعد بشكل متواصل في سلوكها وتصرفاتها.

الكوابيس المجازية تبدأ في الظهور عند نزول سام إلى المراَب, “إطلاق سراح الشيطان”, أو بمعنى أصح جلب الذكريات المؤلمة والمكبوته لوالدته.

نرى هذا الشيئ يحصل في كل سنة, مما يوضح عدم حصول سام على أي حفلة عيد ميلاد إطلاقاً, (يوم ولادته كانت بنفس يوم وقوع حادث السيارة), سام يشعر على أنه هو السبب بما حصل ووالدته تفرض هذا الفكرة مراراً وتكراراً, مما أيضاً يوضح القلق الإظطرابي والسلوك المشاغب والمفرط الذي يعاني منه سام في المدرسة وفي المنزل.

يبين لنا مشهد المراَب بأن حاجة البابادوك من أميلها إنتهت, حيث تم التعرف بنجاح على جوانبها الخفية التي تم الكشف والتعبير عنها, فعاد البابادوك إلى الأسفل, حيث ينتمي, مما يرمز إلى خروج أميليا من أبعاد عقلها الباطن. 

end (1)

في نهاية الفيلم, نرى أميليا في حديقتها الخارجية تزرع وتغذي تربتها, ونلحظ في هذا المشهد بأن الورود في الحديقة قد أصبحت سوداء,

 مشهد زراعة أميليا في حديقتها هو مجاز لوعي أميليا الحسي, ليس هذا فقط, بل على ما يبدوا أن منزل أميليا بأكمله هو مجاز لوعيها الظاهر والباطن (مثال: مشاهد تحطم النوافذ وتشقق الجدران التي ذكرتها سابقاً), فالبابادوك يقوم الاَن بتغذية منزلها مما يرمز إلى نموها وإزدهارها.

Untitled33

تأخذ بعدها أميليا وعاء من الديدان, التربة والقاذورات وتنزل به إلى المراَب حيث تقدمه إلى البابادوك, فالأشياء تنموا من القاذورات.

end 2

يوضح المشهد العلاقة الصحية التي نصبتها أميليا مع البابادوك, حيث تعترف به, تحترمه وتتعامل معه, مما في المقابل يوفر لها هو حياة صحية, متاكملة ومتناغمة بشخصية سوية متصالحة مع ذاتها.

1

ينتهي الفيلم بأميليا تحتضن إبنها سام, الذي لم يعد يخشى الوحوش وضغينتهم ولا يرغب في مقاتلتهم بالأسلحة بعد الاَن, حيث يحظى بأول حفل ميلاد له, في وسط إبتسامات وضحكات والدته.

من السهل بأن نلقي اللوم على التعويذات والحسد, أو نفسر وجود الوحوش والشياطين في حياتنا نتيجة قوة شريرة خارجية, لكن الأمر أصعب بأن نتمعن في أعماق ذاتنا المظلمة, فنرهب ما نرى حيث خيالنا الهمجي المخيف, الذي يرغب حقاً بلاشيء سوى مد أيدينا له وسحبه إلى النور.

“بلاك سوان”, ميلودراما مثيرة عن التطلع إلى المثالية وخسارة النفس.

الحبكة:

راقصة باليه مثابرة تفوز بدور البطلة في إنتاج ضخم وشهير, فقط لتجد نفسها تناضل من أجل الحفاظ على سلامتها الذهنية.

نينا:

Nina

نشهد في بداية الفيلم نينا الشابة حيث تعيش مع والدتها التي كانت هي نفسها راقصة باليه في أيام شبابها, محض تمعني في البيئة حول نينا, اَتاني شعور مربك حول العلاقة بين نينا ووالدتها, التي أخذت بمعاملة إبنتها وكأنها حقاً طفلة صغيرة, غرفة نوم نينا نفسها يغمرها الطابع الطفولي البريئ, حيث ملأت الحائط الألوان الزهرية والورود وملأ فِراش نينا الدمى المحشوة والألعاب.

3

البيئة تبدوا عذراوية ومقيدة, وتحت هذه البراءة الطيبة والمزيفة, يأتيك طابع مُربك يدل على مشاعر لم يُعبَرعنها.. وكلمات لم يُنطق بها.

 نينا ووالدتها كلاهم يبدون ذوي شخصيات هشة وبريئة, نينا بالأخص, تبدوا على أنها قمعت جزء كبير من وجدانها ووعيها الحسي, بلا شك بسبب والدتها لم على الأغلب لم تستطع تحمل تعبيرها عنه.

عند فوز نينا في دور البطلة في عرض إنتاجي ضخم يدعى ب”بجعة البحيرة”, تشتري والدة نينا كعكة كبيرة للأحتفال مما بدت ك-كعكة قد تقدمها لطفلة لا تتعدى ال10 سنوات في حفل ميلاد..عندما ترفض نينا في تناول القليل من الكعكة (نظراً لهوس نينا في الحفاظ على وزنها المثالي), تغضب والدتها وتحاول بشكل غير مباشر بتحميل نينا الشعور بالذنب بواسطة تهديدها بأنها سترمي الكعكة في النفاية في حال إصرار نينا على عدم تناولها.

1

توافق نينا, وفي اللحظة التي تسمح لوالدتها بأن تطعمها لقمة من الكعكة, تعود والدتها لحالتها الطبيعية السعيدة ذات البهجة والسرور. الرسالة واضحة: عليكِ بأن تكوني طفلة صغيرة و مطيعة لكي تكوني مقبولة.

خلال ممارسة نينا للتدريبات والبروفا إستعداداً للعرض المنتظر, يبدأ الفيلم بتقديم فكرة “ظل النفس” تلك عندما يعلق المدرب بأن نينا بينما هي بارعة في تأدية دور “البجعة البيضاء”, فهي تخفق وبشدة في تأدية دور “البجعة السوداء”.

22

تحت الظغط العاطفي والجنسي الذي يقوم بفرضه المدرب على نينا في أمل على أن يوقظ جانبها العاطفي, يبدأ جانب نينا الذي تم قمعه في الظهور, نينا تعض المدرب على شفتيه عند محاولته في تقبيلها..أول علاملة تدل على العدوانية نراها في نينا.

يطلب المدرب من نينا بأن “تستمني” عند إختلائها في المنزل, حيث نكتشف من خلال حوار بينهما أن نينا مازالت عذراء, وما أن تطبق نينا نصيحة المدرب وتستمني في فراشها في الصباح التالي, تنهار نينا ويتملكها الرعب عندما ترى والدتها تنام على الاريكة بنفس الغرفة! مما يوضح الاَتي, التعبير الجنسي هو مرفوض بقدر رفض التعبير عن الغضب أو العاطفة.

2

في أحدى المشاهد التالية تصر والدة نينا على تغيير ملابس إبنتها, رغم تعليق نينا العدواني ب: “أستطيع التبديل لوحدي”, لا كماليات والدة نينا وكبتها النفسي, العاطفي والجنسي لكيان إبنتها خلق في نينا إظطراب وجداني وإنفصال في أسس شخصيتها.

 ظهور ال”ظل”:

كما ذكرت, ذلك الإنفصال النفسي التي تعاني منه نينا لا يمكنه الإستمرار بالتواجد في وعي الشخص, الجوانب التي تم نكرانها وكبتها ستظهر بالنهاية إلى السطح, وتلك الجوانب التي خفقت نينا بالتعبير عنها والتي يصفها “كارل جنغ” ب”النفس الظل” تظهر لاحقاً بالفيلم على هيئة توأم, مراَه تعكس نينا ذاتها والتي تصدفها هي في التدريبات, “ليلي”..متسابقة جديدة لدى الإنتاج, والتي نكتشف لاحقاً بأنها هي أيضاً لديها جانبين, جانب مشجع, ومساعد والثاني متحدي وعدواني لنينا.

1

عند معرفتنا لها منذ بداية ظهورها, تبدوا ليلي على أنها في تناغم وإنسجامية مع ذاتها وجابنها الجنسي, نينا تشعر على الفور بالتهديد من قِبل ليلي, على علم بأن ليلي لها القدرات التي تؤهلها للعب دور البجعة السوداء بمهارة ونجاح.

عامل الإنفصال والإزدواجية هذا يسود الفيلم كله في حينها, بجعة بيضاء وبجعة سوداء, ليلي الطيبة وليلي السيئة, و نينا الخائفة تقبع في المنتصف والتي يهددها ظلها المستيقظ بطابعه الداكن, الجنسي والقاتل.

3

 تبدأ نينا برؤية نفسها في كل مكان تقصده, حيث أخذ ظلها ينقض عليها في أغلب ساعات يقظتها بوجه إستبدادي ومخيف.

1

2

بالنسبة ل-ليلي, التي صاحبت نينا منذ بداية ظهورها, فتظهر لنا في مشاهد رمزية بحته ذات صلة في العوامل النفسية التي يتعامل معها الفيلم, مثلاً في حفلة تقيمها شركة الإنتاج, تصادف ليلي بنينا في دورة المياه, فتطلب منها بالجلوس معها بداعي الثرثرة, عندها نرى ليلي تزيل لباسها الداخلي أمام نينا وكأنه شيء عادي ومقبول, مما يخدش حياء نينا ويخجلها. (ليلي تمثل التعبير الجنسي بينما نينا تمثل العذراوية)

لكن ما لاحظته في المشهد والذي أثار إهتمامي, هو اللباس على نينا وليلي, الذي عكس عامل البجعة البيضاء والبجعة السوداء الذي يقدمه الفيلم.

3

قبل الإستمرار بالأحداث, أود بأن أصرح معلومة وجيزة عن ليلي ورمزيتها, من وجهة نظري, ليلي الأسم, قد يكون إختصار ل“ليليث”, والذي يرمز للشيطانة ليليث التي تأتي بالجنس, الخداع والتمرد, ومصدر نشأتها هي المعارف اليهودية, أما الإسم نفسه فيعود إلى القدم ب3000 سنة.

448px-Burney_Relief_Babylon_-1800-1750

لا أعلم إن كانت هناك دلائل إضافية أضافها المخرج لكن هذا هو ما إستطعت إستخراجه من الأسم والشخصية, لكنني وجدت بأن الرمزية في ليلي و ربط المخرج أو الكاتب لها بجانب نينا الخفي هي فكرة فعلاً رائعة.

تحذر نينا من ليلي وتحاول أخذ الحيطة منها, ورغم محض شكوكها وعدم ثقتها بليلي, تستطيع ليلي بأن تقنع نينا على أن يحظوا هما الإثنتان ب”سهرة للفتيات” في إحدى الحانات الليلية, معلقة ليلي ل-نينا ب:  “عليكِ فعلاً بالإسترخاء”.

7

 عند عودتهم من الحانة ليلاً, تستنكر والدة نينا قدومها المتأخر في منتصف الليل مع صديقتها, فيما تلقي نينا الثملة تلك العبارات الخادشة بوجه والدتها: “لقد قابلت شابين لطيفين في الحانة, و..ضاجعت كلاهم.”, تصرخ والدتها وتصفعها على وجهها, تهرب نينا مع ليلي إلى غرفتها وتهرع خلفها ولدتها, وتحاول بأن تفتح باب غرفة نينا بالقوة, بينما تسائلت لنينا ب: “نينا ما الذي تفعلينه؟” حيث تجيب نينا ب: “إنها تدعى خصوصية أنا لست بعمر ال12 بعد الاًن.”

Untitled2

تمارس نينا الجنس مع ليلي, ونشهد نحن لقطات مجازية لإستيقاظ نينا الجنسي, بينما قدمت ليلي وسيلة التعبير لغاية نينا, أو لغاية ظلها الغير معترف به.

4

في نهاية المشهد, يقدم لنا الفيلم لقطة مخيفة ل-ليلي بوجه نينا, تذكيراً للمشاهد بأن نينا وليلي..هم الشخص ذاته.

5

في اليوم التالي, تواجه نينا ليلي بالفعلة التي إرتكبوها في الليلة الماضية, بينما تنكر ليلي بأن شيئ كهذا قد حصل بتاتاً, مستنتجة بشكل طريف أن نينا على الأغلب قد حظت بحلم جنسي يجمعهم معاً.

يتشوش فكر نينا بشكل أكبر, وبنظر جهلها التام على أن ما يحدث لها هو إستيقاظ وعيها الباطن بكل ما يحتويه, تستنتج نينا بان ليلي ربما تتاَمر ضدها, على أمل سرقة دور بطولتها في العرض الإنتاجي, تذهب نينا إلى المدرب باكية, وتستنجده بأن ل-ليلي نوايا خبيثة, بينما أكد لها المدرب على أنه ليس ل-نينا أي مخاوف من ليلي أو غيرها, مصرحاً بأنه: “الشخص الوحيد الذي يقف في طريقكِ..هو أنت.”

مواجهة نينا ل”الظل”:

مع خطوط الخيال والواقع في تشابك مستمر ومتزايد في الربع الأخير من الفيلم, يقدم لنا الفيلم عامل اَخر له صلة بحته في الحبكة وبطلتها, وهو مواجهة نينا للصعوبات في سوية العلاقة بين ظلها الخفي وبين شخصيتها (القناع الإجتماعي الذي يرتديه الشخص والذي ناقشته في بداية المقاله).

12

قد نأتي بفهم أكبر لو قارنا نينا بشخصيتين ثاويتنين في الفيلم, وهما والدة نينا وبالشخصية التي لم أذكرها إلى الاَن وهي “بيث”, النجمة السابقة لدى العرض الإنتاجي والتي إنطفأت شعلتها على وشك بأن تستبدلها نينا.

2

8

إن نظرنا بتمعن فلربما نستنتج بأن هذين المثالين قد يكونوا مصير نينا الحتمي في حال لم تستطع نينا في التعرف على إزدواجيتها والتمكن بدمج ذاتها (الشخصية/الوعي السطحي) مع ظلها (جوانبها التي لم يتم الإعتراف بها أو التعرف عليها/وعيها الباطن) بنجاح,

والدة نينا هي راقصة باليه سابقة التي تخلت عن أحلامها وطموحها والتي ترضي نقصها وخيبتها من خلال نجاح إبنتها, فهي لا تطاق بصرامتها وبالنهاية تحاول في منع نينا على أن تأخذ أي مجازفة ممكنة لإثبات وجودها. هي ما ستصبحه نينا في حال فشلت في مواجهة ظلها كلياً وتعلم العيش معه ودعمه بكل جوانبة.

بيث, في الناحية الأخرى تمثل مصير الشخص الذي يفشل في دمج ذاته مع ظله الاوعي بشكل صحي, فيرسلها إلى طريق ذاتي مدمر من حيث لارجعة,

مع هذين المثالين يحومون فوق نينا ووعيها, نينا تشعر بأنها مجبره على أن تأخذ فرصتها في النجاح وتجنب الأخطاء التي أرتكبوهن تلك المرأتين.

4

خلال جلوس نينا في قاعة التدريبات فقط يوم قبل موعد العرض, يقوم ظل نينا بمهاجمتها فتهرب هي لمنزلها ويملأها الذعر, حيث نرى بعدها مشهد مجازي لتحول نينا إلى “البجعة السوداء”, مما يعني حقاً بأن نينا وظلها قد دمجوا معاً إستعداداً للتعرف على بعضهم البعض من خلال المواجهة.

1

من بعد محاولة والدة نينا في منعها من الذهاب, تدفع نينا والدتها على الأرض وتنطلق بخطاها إلى المسرح,

تقدم نينا رقصة البجعة البيضاء في الفصل الأول من العرض وتأدي بشكل عام دورها بشكل جيد وجميل، عند عودتها إلى غرفة التبديل تتفاجئ نينا بوجود ليلي حيث تتزين بينما إرتدت لباس البجعة السوداء،

5

6

يوضح المشهد هنا المواجهة المباشرة للجانبين الأبيض والأسود من نينا (الشخصية والظل)، “ما رأيك بأن أرقص البجعة السوداء عنكِ” ليلي مصرحة لنينا بإستفزازية، فتصرخ نينا مشتعلة غضب، “أخرجي من الغرفة,تحل الصدمة في نينا عندما تستدير ليلي بوجهها فيظهر وجه نينا نفسه,

7

 تقوم هي بالهجوم على ليلي/نفسها وتطعنها بقطعة زجاج، ما أن تعود نينا إلى رشدها وتستوعب طبيعة الموقف حتى ترى بأن المطعونة هي حقاً ليلي، تذرف نينا دمعاتها و يملأها الرعب و عدم اليقين عن ما الذي يجب عليها فعله،

8

12

مع مجرد لحظات فور وجوبها على تأدية دور البجعة السوداء، تقوم نينا بإخفاء جثة ليلي في غرفة التبديل الداخلية، وتخرج هي إلى مقدمة المسرح مرتدية زي البجعة السوداء إستعداداً للفصل الثاني.

sss

من خلال تأديتها للدور, نرى إزدواجية نينا مع ظلها، حيث تبدوا هي بسلام كلي وتناغم تام مع ذاتها العاطفية، الجنسية والنفسية، فنرى بشكل مجازي مثلاً الريش يخرج من جسدها والجنحان يتشكلان خلف ظهرها بينما إنقلبت عيناها للون الأحمر، تصل نينا إلى نشوتها مع ظلها وتقف أمام الحشد بجناحيها يشمخان خلفها بينما صمدت هي تنتصب.

dd

عند عودتها، تدخل نينا الغرفة مبتهجة وفخورة بأدائها المثالي الذي يحسد عليه، عندها..تلحظ نينا إختفاء الدماء التي ملأت الأرض فقط قبل خروجها، مستغربة، تفتح نينا الباب حيث لا ل-ليلي ولجثتها أي وجود، تهلع نينا وتملأها الشكوك، ونصل نحن إلى المعنى المكمل والحتمي، نينا طعنت نفسها، مما يوضح بشكل مأساوي فشلها في دمج شخصها بالظل معاً، وهذا ما يفسر العراك التي إفتعلته نينا مع نفسها قبل تقديمها عرض البجعة السوداء.

3

بدلاً من طلب المساعدة، تخرج نينا لتقديم الفصل الثالث والأخير، وتقف على المسرح بحيث أخذت شخصيتها المنهزمة تحيي الجمهور وتستمع إلى هتافاتهم الصاخبة غير آبهة أنها تلفظ أنفاسها الأخيرة، حيث فشلت في التعرف على وعيها بكل جوانبة ودمج إزدواجيتها بينما نجحت في الوصول إلى مبتغاها الذي يتضمن المثالية والنجاح.

الغاية بررت الوسيلة, يهرع إليها الجيمع ويسألها المدرب بربكة: “ما الذي فعلتيه؟” فتجيب: “لقد شعرت بها, فقد كنت مثالية.”

10

المخرج “ديرين أورونوفسكي” قدم عمل بارع متقن إستطاع من خلاله إخراج عوامل نفسية عميقة حيث التعريفات الداخلية والخارجية  فيه تكون متشابكة وممزوجة, مما يبين للمشاهد بأنه فعلاً ما الذي يتواجد في الخارج هو أيضاً يقبع في داخلنا, ذلك الشاهد الذي يرى الواقع الخارجي هي النفس التي تكمن بداخلنا والتي بدورها تبني, ترسم وتشكل ذلك الواقع,

من خلال الممثلين إستطاع “ديرين” بأن يقدم جميع الصفات الإنسانية الضرورية التي تجعل من شخصياتهم في الفيلم شخصيات ثلاثية الابعاد لها تأثيرها وعواقبها, ومن خلال القصة فهو قدم حبكة ذوعدة أبعاد تتضمن إمراة باليه تحلم بأن تجد وتحقق النجاح, ودراما ثقيلة حول أمرأة وتحولها النفسي حيث تم تقديمها بحكمة ورقي,

العديد قد ينظر إلى التفاصيل الدقيقة في الفيلم وينتقدها لمدى بعد مجازيتها ورمزيتها المحايدة, مما قد يفقدها معناها, إذا نظرنا بشكل أكبر وتمعنا تلك المجازيات والرموز, فقد نكتشف معنى يحتوي الكثير, معنى نستطيع بأن نجده في أنفسنا, تضحية شخصية لها القدرة على جعلنا عظيمين, أو إذا تجاهلناها فقد تتركنا غير راضيين أم حتى أنها قد تدمرنا كلياً.

2

مثل نينا, القرار بالنهاية يعود إلينا.

نهاية المقالة.

1 Comment

Click here to post a comment

اترك رد

أكثر المواضيع قراءه هذا الأسبوع

%d مدونون معجبون بهذه: