Movie Talk – The Hunger Games: Part 3

The Hunger Games article – Part 3

الجزء الثالث والأخير من المقالة 3/3

من كتابة وإعداد عبدالله خالد الصراف

The Hunger Games - Part 3

من أول ثانية, نلمح قبو مظلم, كئيب وضيق, حيث نشهد أمامنا الشخصية الرئيسية لحكايتنا ترتجف بعنف وعدوانية, مرتدية زي مشفى أبيض, جالسة على ركبتيها العاريتيتن بينما تضع يديها على رأسها, تتحدث مع نفسها.

لا أذكر بأنني شاهدت فيلم ضخم الإنتاج لهوليوود يبلغ حجمه مئة مليون دولار حيث يبدأ بالطريقة التي بدأ فيها فيلم “موكينغجاي”, طبعاً, أن يبدأ فيلم مع شخصية رئيسية تتصارع مع ذاتها وتواجه صعوبات وتحديات هذا شيء, أما أن تكون تلك الشخصية الرئيسية هي فتاة مراهقة لا تتعدى السابعة عشر, والتي تعاني حرفياً من إنهيارعصبي أمام أعيننا, ناهيك ثوانٍ فقط من بداية الفيلم, فهذا شيء اَخر تماماً. إنها نفسها هذه المقدمة الواقعية, القاسية والصريحة هي التي أكدت لي النوايا الحقيقية لمخرج وكاتب الفيلم, التي تسعى لا أن تتباهى بمشاهد الاكشن الحماسية والتفجيرات الصاخبة, بل أن تتعمق بما يقبع خلف ذلك من خلال دراسة مواضيع ثقيلة الوزن وأفكارعميقة المحتوى بشكل لم يقدم عليه عمل هيوليوودي مسبقاً.

بينما يقبل أمامنا هذا المشهد الافتتاحي البغيض بسوداويته وطابعه المقيت, نسمع كاتنيس تهمس برعب وتوتر في صراع مع نفسها: “إسمي كاتنيس إيفردين, منزلي هو المقاطعة الثانية عشر, كنت في مباريات الجوع, وقد هربت, بيتا..بيتا تم التخلي عنه”. همسات كاتنيس هذه حتماً تخدمنا من ناحيتين, أولها هي تلخيص أحداث ما جرى في الجزء السابق, وثانيها هي لتذكرنا بأننا على وصول لحدود جديدة تكمن خلفها طرق لم تسلكها الأفلام السابقة من قبل, الطرق هذه ستكشف لنا معاني كلمات قد تبدوا أكثر من مألوفه لنا, نسمعها كثيراً وربما أكثر من الازم, لكن دون مقدرتنا على فهم ما تحتويه. الحرب, الإعلام, الشهرة, البطولة والطبيعة البشرية.

Katniss

صحيح, أفلام “مُباريات الجوع” لم تكن أبداً عن أو حول مُباريات الجوع نفسها, ولكننا فقط في فيلم “موكينغجاي” نستطيع أن نختلس لهذه الحقيقة, وهذه الأفلام لم تكن أبداً مجرد حكاية خيالية علمية بالضرورة, بل قد تكن هي مراَة تعكس واقعنا الحالي بأبشع صوره وحالاته.

إذاً, ماهي معاني تلك الكلمات التي ذكرتها أنا مُسبقاً وماهي رمزيتها, وبأي طريقة قدم هذا الفيلم أو الفيلمين بالأصح تفسير عميق لمعاني هذه الكلمات؟ أذكر يوماً عند تجولي في إحدى صالات السينما المحلية إنظر إلى ملصقات الأفلام القريب عرضها, لمحت عيناي ملصق متوسط الحجم يقبع في سقف الصالة, حيث ملأ خلفيته البياض الناصع بينما تركزت في وسطه بطلة فيلم “موكينغجاي” بزي أحمر داكن متربعة على عرش أبيض فخم. نعم,  إنها كاتنيس, تجلس هناك شامخة على عرش الرئيس الدكتاتوري “سنو”, متوعدة في تدميره وواثقة من هلاكه. من نظرة أولى بدا لي الملصق كملصقات جميع أو أغلب ملصقات أفلام الأكشن التي تتراسها شخصيات بطولية رئيسية, لكن عند تمعني جيداً في الملصق بدأت التساؤلات تزحم فكري وأخذت أحدق في الملصق مستلخصاً إستنتاج اَخر تماماً.

ماذا لو لم ترغب كاتنيس في الجلوس هناك؟ أخذت أفكر, ماذا لو في الحقيقة تم إرغامها في أخذ هذه اللقطة التي نراها في الملصق؟ عند دراستي لطبيعة الدعاية وخلفيتها  (Propaganda:بالإنجليزية), رأيت بأننا غالباً ما نخفق في رؤية معنى صورة أو فيديو دعائي بشكل واضح دون الأخذ بالإعتبار طبيعة الصورة أم الفيديو والإلهام الذي يستمده, أي أنه علينا دراسة أو مراجعة الموضوع الذي تستلخصة الصورة أم الفيديو ثم إستنتاج المعنى المرغوب.

poster

الدعاية في الإعلام والحرب هي من أساسيات نص “موكينغجاي”, الذي يقدم لنا في النصف الأول دراسة عميقة لهذا الموضوع ويأخذ بيدينا خطوة بخطوة موضح لنا تأثير الدعاية في حياتنا اليومية في الإعلام والحرب.

حسناً, ماهي الدعاية وماهو تعريفها؟ الدعاية هي مجوعة من المعلومات التي تُنشرعلى أسس مغلوطة أم معدلة والتي تقدم على شكل وسيلة إعلامية مثل صورة, فيديو أم صوت, وهدفها الكلي يكمن في التأثير على عقل المرء والتأثير على مشاعره وبالتالي إلإستنتاج الذي يصل إليه جراء هذه المعلومات المقدمة إليه. بالتالي, الملصق الذي تحدثت عنه حاله كحال أي ملصق اَخر يعتبر وسيلة من وسائل الدعاية والذي تقبع خلفه رسالة معينة إلى الناظر إليها, وفكرة أن يقوم الفيلم بتقديم وسيلة دعاية لدراسة وسائل الدعاية تعتبر عبقرية, لأنها تجعلنا أو ترغمنا بالأصح, في النظر بشكل عميق لطبيعة الدعاية وأسس تفاعلها.

الإستنتاج الذي يطمح الفيلم بأن نصل إليه نحن كمشاهدون هو أن كاتنيس في هذا الملصق المزدوج بفعاليته تم إستخدامها كوسيلة دعاية لهدف معين من قبل المقاطعة ثلاثة عشر, التي تهدف في إستخدام رمزية كاتنيس لأهدافها الشخصية وليس لأهداف كاتنيس ذاتها. إذاً, السؤال الذي يطرح نفسه الاَن هو, لماذا وضع الفيلم هذه التلميحة لطبيعة الدعاية في الملصق ليجعلنا نفكر بنقد وتساؤل حول محتواها؟ أليس من المفترض أن نكون نحن مع هذا الملصق ومالذي يدعمه؟ اليس من المفترض أن نكون نحن مع المقاطعة الثالثة عشر ومالذي تقف خلفه, واليس الفيلم نفسه يساند ويدعم المقاطعة الثالثة عشر في القصة, ضد الرئيس الدكتاتوري “سنو” ووحشيته؟

ليس بالضرورة, وهنا تكون عبقرية هذه السلسلة, نادراً ما نشهد قصة ملحمية دون جانبين تقليديين بين شرير وبطل في معركة بين الخير والشر, ربما لتذكرنا بأن الحياة الواقعية أكثر تعقيداً من ذلك, ليس لها إجابة عفوية بسيطة لما يحصل فيها من وقائع, أحداث وحروب, فعلاً, نحن مع كاتنيس, نكتشف هذه الحقيقة هنا, في بداية ختامية هذه السلسلة, ومع كاتنيس أيضاً, نحن مجبرون على ترك كل ما عرفناه سابقاً من مبادئ, قيم ومفاهيم..تحت محور الشك وعدم اليقين.

الدعاية والحرب:

بعد وصول كاتنيس إلى المقاطعة الثالثة عشر, كاتنيس تقابل رئيسة المقاطعة “اَلما كوين”, التي تفرض عليها دور ال”موكينغجاي” والذي يعني “الطائر المُقلد”, وتطلب منها تصوير مشاهد دعاية وترويج للثوار كي ينهضوا لمهاجمة الكابيتول وإغتيال رئيسها “سنو”.

كاتنيس ترفض, في البداية..مؤكدة للرئيسة “كوين” ولصانع المباريات “بلوتارك” أن همها الوحيد في هذه اللحظات هو إنقاذ “بيتا” من يد الكابيتول الطاغية, وأن عليهم بأن يركزوا على إعادته سالماَ بدلاً من إنشغالهم ببعض الدعايات. لسوء الحظ طبعاً, الحرب لا تكترث للإنسانية بتاتاً, وهذا ما اَمنت به “كوين” نفسها, لكنها أصاغته بشكل متحضر ولو بالقليل, أو حاولت على الأقل. “السيدة إيفيردين, هذه الثورة هي للجميع, هي لكل شخص, ونحن نحتاجكِ كصوت لها.” مصرحة رئيسة الثورة لكاتنيس, طالبة منها التفكير بالثورة ككل بدلاً من الأفراد في هذه الثورة.

كاتنيس تساوم بعدها, أنها ستوافق على هذه الدعايات بشرط إعادة بيتا من الكابيتول سالماً, مما يأتي برد يوافق على هذا الطلب من الرئيسة “كوين”.

بعدها, تبدأ الدعايات في التصوير, مع كاتنيس في منتصفها, بينما تقرأ هي نص مفبرك محشو بكلمات معدلة تحرك المشاعر وتجيشها لكسب حماسية الثوار.

Effie and Katniss

 

قبل البدء في التصوير, تأتي مواطنة الكابيتول “إيفي” لغرز دبوس الطائر المقلد في زي كاتنيس, مؤكدة لها بأن: “الجميع سيرغب إما أن يقبلكِ, يقتلكِ أم يصبحكٍ!”, وما قصدته “إيفي” في جملتها هذه هو أن كاتنيس الاَن هي لاشيء سوى محض رمز, وأنه حتماً سيكون لهذا الرمز الاَن ردود أفعال مختلفة من الناس والحشود, فما إن تنطلق هذه الدعايات على شاشات التلفاز في دولة بانيم, سيرغب الناس إما أن يدعموا هذا الرمز بما يمثله, يقمعوه لرفضهم رسالته ومعناه أم يصبحوه لمدى قوة تأثيره عليهم.

في هذا المشهد تحديداً, نرى الوصل بين الدعاية والحرب, الذي أبرع المخرج والكاتب للفيلم في تقديمه بشكل جدي و طريف في نفس الوقت, موضحاً غرابة العلاقة بين الإثنين, بالمناسبة, الدعاية والإعلان في الحرب ليس بشيء جديد إطلاقاً, على العكس تماماً. جميع مشاهد الدعاية في الحرب بفيلم “موكينغجاي” تشابه بشكل كبير الدعايات ووسائل الترويج لألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية, والذي ترأسها وزير الدعاية السياسية “جوزيف غوبلز”.

Nazi germany propaganda

برع “جوزيف” في إستخدام تلك الدعايات لتغيير, تعديل وتحفيز مشاعر وأفكار الشعب الألماني تحت سيطرة الدكتاتوري “هتلر”, ليس ذلك فقط, بل اَمن “جوزيف” في مقولة “إكذب ليصدقك الناس” والتي كانت هي الإلهام والمصدر لجميع دعاياته الترويجية.

أنه هذا السبب تحديداً, الذي جعل كاتنيس تخفق في جميع الدعايات التي طلب منها “بلوتارك” و”كوين” تقديمها, بحيث أن كاتنيس ببساطة غير بارعة في الكذب والترويج, مثلما فشلت كاتنيس في إقناع شعب بانيم بأنها مغرمة ببيتا بعد المباريات الرابعة والسبعون والتي أشعلت شرارة الثورة التي تحصل الاَن.

Katniss is used for propaganda

بالرغم من فشل كاتنيس الذريع في إقناع الناس وإشعال لهيب الثورة من خلال دعاياتها وترويجاتها, إلا أن رمزية كاتنيس نجحت في تحفيز الثوار والمتمردين, ليس من خلال دعاياتها وترويجها, بل من خلال عفويتها وصدقها, حتماً, فلطالما إتصفت كاتنيس بتلك الحقيقة التي لا يمكن بأي شكل من الأشكال ترويجها, إنها نفسها تلك الحقيقة التي جعلت ذلك الشعب يثور ويتمرد أصلاً, لأنه شعر في كيانه بتلك المصداقية والشفافية, والذي جعل منه لهيب يشعل شرار الثورة.

هايمتش مثلاً، قد يوافقني الرأي، “إن كنتم تريدون رمزاً لثورتكم، فلا يمكن بأن تملو على كاتنيس بما تفعله، ثقوا بي أنا أعرف.” يقترح هو لطاقم التصوير, ويطلب بعدها من الرئيسة “كوين” بأن تضع كاتنيس في وسط القتال مع الطاقم للحصول على ردود أفعال طبيعية وحقيقية من كاتنيس، توافق “كوين” على هذا الإقتراح وتذهب كاتنيس مع طاقم تصويرها إلى المقاطعة الثامنة التي تعج بالإنفجارات في الوقت الحالي، إنه في هذه الزيارة، نحصل نحن على مشهد يحتوي على إنعكاس عميق المعنى موضح لنا من هي كاتنيس وماهو معدنها، ويوضح لنا أيضاً كيفية القدرة على التلاعب في الواقع من خلال الدعايات والترويج. ( سأشرح المشهد بتمعن في الفقرة القادمة)

district-13 propaganda

بينما تنشغل المقاطعة الثالثة عشر في تخطيط تلك الدعايات، الكابيتول نفسها تبدو على علم بفعالية هذه التقنية على عقول الناس والحشود، فبغضون أيام، يظهر مذيع الكابيتول الشهير “سيزر فليكرمان” على شاشة التلفاز معه لا أحد غير بيتا ذاته، الذي ظهر هو بحلة أنيقة مرتدياً زي أبيض ناصع مع ربطة حادة الشكل على عنقه، بالكاد تسمح له بالتنفس، وكأنها تخدم تذكير من الرئيس سنو بأن بيقي بيتا رأسه مرتفع وثابت طوال الوقت.

Capitol propaganda

مثلما فعلت المقاطعة الثالثة عشر، تنص الكابيتول مقابلة مفبركة بين بيتا وسيزر، مؤكدين للجمهور بأن كل ماحصل في مباريات الجوع الأخيرة والحتمية من خطة وتديير، فبيتا وكاتنيس لم يكونوا جزءاً منها، وأن على الثوار بأن يراجعوا أفعالهم قبل أن يجدوا أنفسهم تحت حرب أهلية مدمرة وطاغية، مما يطمئن قلوب سكان الكابيتول، بينما يثير غضب الثوار أكثر وأكثر، واصفين “بيتا” بالخائن عندما أمرهم بأن يتصالحوا مع الكابيتول ويلغوا الثورة، مما أجده طريفاً بعض الشيئ، فيبدوا أن الدعاية والترويج قد عملت عمايلها على الثوار نفسهم وعلى عقولهم، أليس من المفترض بأن تكون النوايا خلف المقابلة واضحة لهم كونهم يستخدمون نفس الوسائل ذاتها؟ على ما يبدو أنهم أصبحوا من الذين يكذبون الكذبة ويصدقونها بأنفسهم.

وسائل الإعلام والواقع المُفبرك:

تتوجه كاتنيس وطاقمها إلى المقاطعة الثامنة لتصوير مايحدث هناك, عندها تجد كاتنيس نفسها محاطة في وسط جرحى و مصابين في مشفى المقاطعة, مما يغمر قلبها بالشفقة والحزن, لتطلب هي من مخرجة تصوير الدعايات “كريسيدا” بعدم دخولها في جناح المشفى لعجزها في مساعدتهم, في حين ترد عليها كريسيدا ب“فقط دعيهم ينظروا إليكِ”, فتهز كاتنيس رأسها وتدخل ببطئ إلى جناح المشفى.

 Katniss in the Hospital

تهامس المصابين بينهم وبين بعضهم مشيرين إلى كاتنيس, الرمز الذي اَمنوا هم بأن يهدف في خلاصهم, غير واعيين للدمار الذي يحوم فوقهم على وشك بأن ينقض عليهم في أي لحظة. يقف جميع من في المشفى ليرفع يده تحيتاً وتقديراً لهذا الرمز المفعم بالقوة والإمكانية والأمل, بينما صمدت كاتنيس هناك تنظر إليهم بأعين دامعة وتعابير خانقة تصرخ بكلمات عجزت هي بنطقها  “أنا مجرد شابة, فتاة بائسة, اَتاني هنا واقع مرير لم أختاره ولم أرغب به.”

Katniss visits hospital

“هل ستحاربين يا كاتنيس, هل أنتي هنا لتحاربي معنا؟” سئل صوت شاب تملأ نبرته حس الإندفاعية والغضب, فتنظر إليه كاتنيس على علم بأنه لإجابتها ثمن, على كاتنيس وعلى الثوار جميعاً أن يدفعوه باهضاً, “نعم صحيح, سأفعل”. تجيبه هي.

فور خروج كاتنيس من المشفى, ترسل الكابيتول طائرات حربية مليئة بالقنابل وتريمها على المشفى  لتهلك كل من في داخلها من رجال, نساء, عجائز وأطفال, فور ملاحظة كاتنيس لهذه الفعلة الوحشية, تحاول هي بإبطال الطائرات من الوصول إلى المشفى دون جدوى.

شائت أم أبت, أدركت كاتنيس حينها أنها رمز له عواقبه وخطورته, ولمن تابعه إحتمالية الهلاك والموت, وأدركت أيضاً بأن ما تمثله أنتج في قتل مئات الأبرياء, فأما عليها الاَن بأن تحفز هذا الرمز وتقبله بكل ما قد يأتيه من موت وهلاك, أم أن ترفضه وتستسلم للموت والهلاك أيضاً, مدركة بأن النتيجة هي واحدة في كلا الحالتين.

Katniss during the hospital bombing

عند عودة كاتنيس للمقاطعة الثالثة عشر, نكتشف بأن كل ما حصل من أحداث على أرض الواقع قد تم فبركته وتعديله على شاشات تلفاز بانيم! التفجير الوحشي للمشفى بثته الكابيتول على أنه نتيجة طبيعية وحتمية لشعب رفض تنفيذ أوامر الحكومة وعصيان أوامرها, بدلاً من أن يعترفوا بفعلتهم الوحشية التي إرتكبوها, أما المقاطعة الثالثة عشرة فبثته على أنه تشجيع للثوار بأن يتمردوا بشكل أكبر, بدلاً من يحذروا الثوار ويذكروهم بثمن الحرب التي تقوم بدفعه أرواح بريئة لا تريد سوى النجاة.

Media maniplation 2

كاتنيس تم بثها من قبل الكابيتول على أنها مواطنة خائنة وخطرة تجلب معها لاشيئ سوى الحرب والدمار, بدلاً من رؤيتها كمجرد فتاة تم التلاعب والتحكم بها من قبل أيدي بارعة وسط حرب معقدة وثورة همجية, أما المقاطعة الثالثة عشر فقد بثت كاتنيس أثناء زيارتها المشفى على أنها قائدة شجاعة أتت لتشجيع الثوار وإلهامهم, بدلاً من شابة ساذجة أرادة تقديم المساعدة لبعض المصابين.

المثير للإهتمام هنا, أنه بعد هذه التغطية الإعلامية, إستطاع التلفاز في بانيم بأن يعكس وبنجاح ردة الفعل لدى المُشاهد, فمواطنين الكابيتول أتوا بردة فعل غاضبة على إنفجار المشفى وقاموا بلوم كاتنيس وحركتها الثورية رغم أن رئيسهم “سنو” هو من أقدم على هذه الفعلة, أما الثوار والمتمردين, فغمرت ردة فعلهم الهتافات السعيدة والتصفيق الحامي لشجاعة كاتنيس وقيادتها بدلاً من الصياح والبكاء على جميع رفاقهم الثوار الذين لقوا حتفهم جراء الإنفجار الوحشي.

Media maniplation

خلافاً على كل مايحدث اليوم في العالم الذي نعيشه من حروب, ثورات, عنف وقتل, هل يستحق منا الأمر النظر في وسائل الإعلام التي تبث لنا أخبار بلا شك قد تم فبركتها والتلاعب بها أو على الأقل تعديلها حتى؟ إنها هذه الثقة العمياء التي نتحلى بها في مايعرض على شاشة التلفاز ما تطلب منا هذه السلسلة في إنتقادها أوتعيينها, على أمل أن ندرك حينها بأن لما نشاهد على شاشة التلفاز من أخبار, إعلانات أم حتى برامج المتعة والتسلية, تأثير فعلي ومباشر على اَرائنا وإستنتاجاتنا.

media maniolation 3

كيف لا, مع تساهلنا وتقبلنا لمشاهد العنف والدماء التي تتصاعد بسرعة وإزدياد, أليس من المعقول والمنطقي أن نستنتج بأنه مع عرض وسائل الإعلام لهذه المشاهد بشكل متواصل, أصبحنا كحضارة ومجتمعات غير ممانعين لرؤيتها من ناحية واعية وغير واعية؟ شخصياً لاشك لي بتاتاً في هذا الإستنتاج, أتذكر عند صدور فيلمي “موكينغجاي” الجزء الأول والثاني في صالات السينما, إشتكى الجمهور والنقاد من غياب عنصر أو حبكة “مباريات الجوع” في الفيلمين, مطالبين ب“مشاهد أكشن أكثر, وقتال بين الشخصيات في الفيلم, مثلما وعدتهم السلسلة في الجزئين الأول والثاني”! ليس هذا فقط, بل حتى النقاد المحترفين في السينما والأفلام, لم ينال الفيلمين الأخيرين إعجابهم بقدر الفيلمين الأولين, مما يفسر إنخفاظ التقييم الرقمي لختامية السلسلة.

Critics and audience responce

أي أن الجمهور العام طالب بمشاهد تحتوي على العنف والقتل لتسليته, مما اثار إستغراب عشاق السلسلة وما تعنيه, ومن ضمنهم أنا شخصياً, والمضحك بالأمر, أنه هذا العنصر ذاته الذي طالب الجمهور برؤيته.. هو الذي قامت السلسلة وكاتبة الرواية “سوزان كولينز” نفسها بإنتقاده!

فعلاً, يبدو أننا بدلاً من أن ننتقد الكابيتول ونأخذ العبرة منهم عند مشاهدتنا هذه الأفلام أصبحنا الكابيتول نفسها, غير اَبهين لرؤية مراهقين يتقاتلون حتى الموت في حلبة مغلقة بحجة أنها فقط  “مجرد تسلية”.

people demands and tolerance of violence

الأمر لا يتوقف هنا, بل يقدم لنا الفيلم مشهد إضافي موضحاً فيه فبركة الإعلام وإلى إي مدى حقاً قد تذهب هذه الفبركة.

تتوجه كاتنيس وطاقمها إلى منزلها في المقاطعة الثانية عشر لتصوير المكان الذي تم تدميره تماماً من قبل الكابيتول بعد مبارت الجوع الخامسة والسبعون, وقد تحول إلى مجرد حفنة من الرماد والرمال, نرى كاتنيس وغايل عندها حيث ملأ الأسى ملامح وجوههم بينما حلت الصدمة والرعب في وجوه طاقم العمل وبالأخص “كريسيدا” مخرجة الدعايات, التي لم تسمح لفرصة كهذه بأن تذهب هباء وأخذت تصور الدمار الذي حل على المكان, حطام، دخان، نيران، جثث، ودماء، شاهدت كاتنيس الصورة الواقعية للحرب وما تأتيه، خطت كاتنيس خطاها بين الحطام وراحت تسترجع ما كان يحمله هذا المكان من ذكريات لحياتها منذ الصغر، على يقين بأن كل ماضيها تمزق إلى أشلاء أمامها.

لتشتيت إنتباهها بما يحطيها من رعب أغلقت كانيس عينيها بينما قامت، أو حاولت بإسترجاع ذكريات لوالدها، وتذكرت عندما قام هو بالغناء لها في حين كانوا في الغابة يستمعون لتغريدات طيور الزريب المحاكي، فراحت تردد هي كلمات تلك الإغنية بصوت خافت، “هل أنت آتي إلى الشجرة، حيث شنقوا رجل قالوا بأنه قتل ثلاثة، أشياء غريبة قد حصلت هنا، ولن يكون الأمر أغرب إن تقابلنا في منتصف الليل في شجرة الشنق، هل أنت آتي إلى الشجرة، حيث نادى ذلك الرجل الميت لحبيبته بالفرار، أشياء غريبة قد حصلت هنا، ولن يكون الأمر أغرب إن تقابلنا في منتصف الليل في شجرة الشنق، هل أنت آتي إلى الشجرة، مرتدياً قلادة حبل جنب بجنب معي، أشياء غريبة قد حصلت هنا، ولن يكون الأمر أغرب إن تقابلنا في منتصف الليل في شجرة الشنق.”

في صغرها، قام والد كاتنيس بتحذيرها من غناء الأغنية علناً كون إنها مرفوضة من قبل الكابيتول وغير مستحبة من سكان المقاطعة لما تحمله من معنى يحرض على التمرد, القتال والموت, كاتنيس تذكر في الرواية أنها لم تفهم ما تعنيه الأغنية في الصغر ولكن مع تجاربها القاسية وواقعها المؤلم أصبحت مدركة شيئاً فشيئاً لرمزية الأغنية، شخصياً، لم أتفاجأ لمدى براعة الأغنية ومعناها عندما قمت بمحاولة تحليلها، وسبب عدم تفاجئي هو أنني ببساطة لم أتوقع أي شيء أقل من هذه السلسلة الجبارة، وعلمت قبل تحليلي بأن الأغنية كجميع ما كُتب في الروايات ستحمل معنى ثقيل وهادف للقصة نفسها.

The origins of The Hanging Tree song

هل أنت اَتي إلى الشجرة”, قد تعني هذه الجملة ليس بالضرورة مكان حرفي, بل مجازي, ممثلاً إلى أن مكان الشجرة هذا هو مكان قد يصل إليه السامع في عقله ونفسيته, من خلاله يتحفز للفرار إلى الحرية.

“أشياء غريبة قد حصلت هنا”, قد تعني الأفعال التي يفعلها البشر لبعضهم البعض من قمع, تحكم واضطهاد, “أشياء غريبة” من الممكن أن ترمز للأبرياء الذين تم شنقهم أو قتلهم فقط لطلبهم الحرية والعدل.

ولن يكون الأمر أغرب إن تقابلنا في منتصف الليل في شجرة الشنق.” قد تعني بأنه لن يكون من الغريب بأن يضحي المرء بنفسه أو حياته مطالباً بحق الحرية والتخلص من العبودية والقمع. الجملة ايضاً تعني بفكرة أن لاباس في أن يكون المرء شهيداً إن كان هذا سيجعله خطوة أقرب من الوصول إلى تلك الحرية والعدل, أما “منتصف الليل” فعلى الأغلب إنها ترمز لموت اليوم السابق وولادة يوم جديد من بعده, مما تعني أنه حتى لو تم خسارة حياة بريئة اليوم, فالقتال للحرية نفسها قد تستمر إلى المستقبل.

حيث شنقوا رجل قالوا بأنه قتل ثلاثة”, من طريقة وصف الكلمات في هذه الجملة, لا يأتيك الشعور بأن ما قيل فيها يعني أن الرجل قد يكون حقاً قاتلاً, ولكن على الأغلب بأن كلمة “قالوا” في الجملة توضح لنا أن الرجل تم إتهامه كذباً بأنه قتل ثلاثة أشخاص وقد قاموا بشنقه جراء ذلك.

“حيث طلبت منك بأن تهرب لكي نكون معاً أحرار”, هنا تتحول طريقة سرد الأغنية من شخص ثالث إلى شخص أول, مما يعني على الأغلب أن الرجل الميت التي تم قتله هو مجرد مجاز للمغني نفسه, الذي قد تم معاقبته بالخطأ دون جريمة إرتكبها, الجملة قد تعني بأن المغني في هذه الجملة قد يعني أنه هو والسامعين قد يكونوا أحرار معاً إن هربوا إلى الحرية, في هذه الحالة أما بالإنتصار أو بالموت.

“مرتدياً قلادة حبل جنب بجنب معي”, المغني هنا يدعوا بوضوح إلى إتخاذ موقف وفعل, طالباً من السامعين بأن ينظموا له إلى التضحية الكبرى بالحياة, أي الموت إنتحاراً.

ما أن سمعت “كريسيدا” صوت كاتنيس العذب يغني تلك الكلمات القاسية حتى بدأت في تصويرها ومجدداً, إستخدامها كمجرد دعاية محكمة الصنع لدفع الثورة إلى السطح.

The hanging tree song used for propaganda

هل جميع المقاطعات تشاهد هذا الفيديو؟”, “كوين” تسأل “بلوتارك”, اَملة بأن تنشر هذه الأغنية التي غنتها كاتنيس حقا لا لسبب غير أنها وجدت الأغنية هي الطريقة الأمثل للتعزية نظراً لما رأته في ديارها, وحتماً أرادت “كوين” بأن تولع لهيب كل ثائر ومتمرد وتشجعه للإنضمام إلى الثورة, غير اَبهة بتاتاً أو اَخذة بعين الإعتبار خطورة وجدية الكلمات والمعنى التي تحمله هذه الأغنية.

وهذا بالظبط مانراه يحدث في المشهد التالي, الذي يثبت لنا مجدداً قوة تأثير الإعلام على عقل المشاهد, ومدى الفبركة الذي تفتعلة وسائل الإعلام في الحرب والتحكم في نتائجها. يتوجه المئات من الثوار مرددين كلمات أغنية كاتنيس الإنتحارية, “هل أنت اَتي إلى الشجرة, ترتدي قلادة حبل, جنب بجنب معي, أشياء غريبة قد حصلت هنا، ولن يكون الأمر أغرب إن تقابلنا في منتصف الليل في شجرة الشنق.” متوجهين جميعهم إلى الموت, متطوعين بأرواحهم.

بشكلٍ غريب ومتناقض, فعلاً أجده من أجمل مشاهد فيلم “موكينغجاي” بغض النظر عن مدى إظطرابي تجاهه, لأنه يذكرني أنا كمشاهد بنظرة الفيلم والرواية الغير محايدة تجاه فكرة الحرب والثورة, فبدلاً من تشجيعي كمشاهد على أن أشعر بالتحفيز والإنفعال تجاهها, فهو يذكرني مراراً وتكراراً, بالثمن الذي سأدفعه إن فكرت بإيجابية وإنجذاب إلى فكرة إنظمامي لحرب أو ثورةٍ ما.

صحيح, ينص علينا المشهد بل ويأمرنا حتى, بأن نتوقف قليلاً لنراجع فقط ما الذي نحشوه نحن كمجتمعات في عقول أطفالنا وشبابنا, وكيف لنا دور حتمي وأساسي من ناحية التعليم, الإعلام والتسلية بالقيم, الأفكار والمبادئ التي سيتبناها هؤلاء الاطفال والشباب. ونظراً لما نراه حولنا في يومنا هذا من دمار في كل من القيم والفكر والمبدأ, أصفق بحرارة لهذه السلسلة لتنبؤها وتحذيرها للحال الذي قد نصبحه مستقبلاً أو الذي أصبحناه أساساً.

بيتا وجوانا, ضحايا جرائم حرب:

مع نجاح الدعايات والترويج في في إشعال لهيب الثورة, توافق “كوين” على أن تعيد “بيتا” و”جوانا” من الكابيتول, الذين تم إختطافهم في مباريات الجوع الخامسة والسبعون, كصفقة إتفاق بينها وبين كاتنيس نفسها. عند رؤية كاتنيس لبيتا على شاشة التفاز في مقابلات سيزر, تلاحظ كاتنيس تغيير متواصل وغريب لحلة بيتا, ففي كل مقابلة تجري, نرى بيتا بشكلٍ أنحف, مع علامات التعب والإرهاق تملأ وجهه, و بحلة ضعيفة ككُل, وترجح أنه على الأغلب قد تم حرمانه من النوم أو ماشابه لتصوير المقابلات والدعايات وما إلى ذلك.

بعد نجاح الجنود من المقاطعة الثالثة عشر في إختراق أراضي الكابيتول وإعادة “بيتا” و”جوانا” سالمين, نترقب نحن كجمهورمشهد نظن في أن يملأه طابع الإيجابية والخفة, حيث نقابل “بيتا” و”جوانا” مجدداً مبتسمين وسعيدين لرؤيتهم مع البقية, لكن ما حصل بعد ذلك إختلف تماماً عن هذا الإعتقاد, حيث ترك المشهد الجمهور في حالة صدمة وردة فعل مفاجأة, بالكاد تمكنوا بأن يتعرفوا على هاتين الشخصيتين, حيث بدوا مختلفين تماماً عن ما كانو عليه.

Peeta and johanna tortured

 الإستنتاج الوحيد والعقلاني الذي توصلت إليه شخصيا والذي على الأغلب توصل إليه أغلب المشاهدين, هو أنه قد تم تعذيب “بيتا” وجوانا” من قبل الكابيتول, ربما لعلاقتهم بالثورة التي تجري في جميع أنحاء بانيم, لكن الأمر يزداد غرابة بعد ذلك, عند رؤية “بيتا” لكاتنيس, التي راحت تقف هناك متلهفة لرؤيته, ينقض “بيتا” عليها بعنف وعدوانية اَملاً قتلها, خانقها بيديه الضعيفتين بينما تتشبث هي بالحياة.

وهنا يصل الفيلم إلى جزء مثير للإهتمام, الذي يستمر في فضح جوانب خفية من الحرب لم نكن على علم أو معرفة بها, ماحاول فيلم “موكينغجاي” في كشفه هنا من ما حصل ل”بيتا” و”جوانا” هو على الأغلب شيء يسمى ب”مشروع أم كي ألترا”, الذي يستلخص ببرمجة الشخص من ناحية نفسية, عقلية وجسدية, والطرق التي يتبعها هذا المشروع هي لا شيء أقل من وحشية تامة قد تجعل القارء يرتجف عند قرائتها, يعمل هذا المشروع على أسس متتالية يتم إسخدامها على الضحية لنيل النتيجة المطلوبة, والتي تتكون من:

-إضطهاد وتعذيب| حبس إنفرادي في صناديق, أقفاص أو حتى قبور (مع مجود فتحات للأوكسجين) | القيد بالأحبال, قيود والسلاسل | الإغراق عمداً | التعرض للسخونة الشديدة والبرودة الشديدة بإستخدام ماء مثلج أم مواد كيميائية ساخنة | سلخ الجلد | الدوران (جعل الضحية تدور بشكل متواصل) | صعق كهربائي | إطعام إجباري يتكون من سوائل ومواد مقززة من دماء, قاذورات ولحم نيء | تعريض الضحية للجوع والعطش | الحرمان من النوم | مواد مخدرة خطرة لخلق الخيال, التشتيت والتشوش لدى الضحية, تعريض الضحية بشكل متواصل للعناكب, الأفاعي, الجرذان والديدان لجعل الضحية في حالة إشمئزاز وخوف | تعريض الضحية لأساليب خوف وتهديد بتعذيب أهله, أصدقائه وأحبابه.

بعدما تعرضت الضحية لجميع أنواع التعذيب التي ذكرتها للتو, يحصل خرق أو إنفصال في شخصية الضحية, مما يحدث عدم توازن لدى عقل الضحية, مما في النهاية يجعل برمجة عقل الضحية من جديد ممكناً, بعد ذلك, يتم خلق سيناريوهات مرغوبة لدى المظطهد في عقل الضحية والتحكم به بأي شكل من الاشكال.

من خلال بحثي في “مشروع أم كي ألترا” تفاجأت, صُعقت وتقززت لما قرأته من معلومات بدت لي وكأنها مجرد سيناريو خيالي لفيلم سينمائي, لككني ذهلت عند معرفتي بصحة وفعلية هذا المشروع. المشروع تم تأسيسه من قبل علماء نازيون خلال الحرب العالمية الثانية في ألمانيا, الذين إستخدموا تلك الأساليب الوحشية لتعذيب معتقلين سجونهم, الأمر لا ينتهي هنا, للاسف.. وكالة المخابرات المركزية ذاتها, قامت بتبني هذا المشروع في عام 1953 من قبل رئيس الوكالة اَنذاك “اَلين ديليس”.

Mk ultra 2

أنه من الصعب بأن أبقى مُحايداً عند قرائتي لتلك المستندات الرسمية لهذه الجرائم التي إرتكبها البشر ببعضهم البعض في الحروب من جرائم ووحشية, بالإضافة إلى ذلك, أتذكر عند قرائتي وبحثي بالمشروع, أردت بشدة ان يكون الأمر محض نظرية أو إعتقاد, وكأن عقلي رفض فكرة أن شيئاً كهذه قد يحصل فعلاً في الواقع. وربما هذا السبب الذي جعل الفيلم (والرواية طبعاً) يتطرق لكشف هذه الجريمة البشرية البشعة, التي نستنتج منها ماهية الحرب وأسالبيها. ولأقتبس كاتنيس نفسها: “أعتقد بأنه لا يوجد قوانين في الحرب بعد الاَن بما يمكن للانسان إرتكابه بحق إنسان اَخر.”, قولاً حسناً كاتنيس, قولاً حسناً بالفعل.

MK ultra

في البداية, دار في عقلي الشك فيما إذا حقاً كان هناك صلة بين “مشروع أم كيه ألترا” وما حدث ل”بيتا” و”جوانا” بالفيلم, ولكن إعادة مشاهدة سريعة لهذا المشهد كان كافي لطرد هذه الشكوك والتساؤلات.  

 “بلوتارك”: “أنه يدعى بالإختطاف العقلي”, مصرحاً هو لكاتنيس, “لانعلم منذ متى الكابيتول تقوم بها على بيتا”, فيكمل “بيتي” الحديث: “أنه برمجة على الخوف, يفعلونها مستخدمين سم النحل المهجن, السم يضع الضحية في حالة مشتتة, ومن ثم يعذبونه, يصعقوه, يضربوه, ومن ثم يمسحوا شخصيته, ويعيدوا بعد ذلك بناء هذه الشخصية بعقل مبرمج مع ذكريات جديدة أو معدلة.”

في نهاية المشهد, مجبورين نحن كمشاهدين برؤية شابين قد تم تجريدهم الكلي من صحتهم الجسدية, العقلية والنفسية, ربما قد نقول بأن المشهد هو قاتم بقسوته وصراحته أكثر من الازم, وربما هذا هو المقصد, “بيتا” و”جوانا” يواجهون مصير مشؤوم من الرعب, الخوف, الخسارة والهزيمة, والذين تم حبسهم بعد ذلك في زنزانات قيد يتصارعوا مع أنفسهم, عاجزين عن الفرار.

نظرة دخيلة على معنى الشهرة:

فور إقترابنا لختامية الجزء الأول من فيلم “موكينغجاي”, نظرت لحال الشخصيات الرئيسية في الحبكة, الذي بدوا جميعهم في حال مزرية يُشفق عليها, يتمحورون حول نفسهم في يأس وضياع, كاتنيس, “بيتا”, “جوانا” و “فينيك”, نجوم الكابيتول المحبوبين, الذين قبل أشهر قليلة فقط كانوا يرتدون أفخم الثياب, وتزينوا بأرقى المجوهرات وأجمل التزيينات, تملأ صورهم وملصقاتهم شوارع الكابيتول وتُبث مقابلاتهم الشيقة على كل شاشات تلفاز بانيم, أنه حتماً وبلا شك تناقض كبير بين الحالتين, كبير لدرجة قد تجعلك تقف وتفكر, وهذا ما فعلته أنا, بل رحت أتسائل حتى, إن كانت هناك نية متعمدة للفيلم في التعمق بطبيعة الشهرة وثمنها, لطالما سمعنا عن معاناة الفنانين والمشاهير في حياتهم الشخصية نتيجة شهرتهم, مما يدفعهم في الإسراف بتناول الخمور والعقاقير فقط ليحظوا ولو بالقليل من راحة البال, أعلم ذلك, وعلى الأغلب بأن جميع الناس يعلموا بذلك أيضاً, ولكن, السؤال الذي أطرحه أنا هو, لماذا؟ ما هو الشيء الذي يسلب  هؤلاء المشاهير راحة بالهم تحديداً؟ حسناً, الإجابة تكمن, من وجهة نظري, في أن طبيعة الشهرة نفسها هي المشكلة ذاتها, اي أن كل ما تأتيه الشهرة من ملاحقة المصورين في كل مكان يذهبوا إليه المشاهير, الأضواء وتسلطها بشكل مستمر و الإهتمام المبالغ فيه الذين يحصلوا عليه هو ما يفسد حياتهم ويسلبهم سعادتهم.

لا أعتقد حقاً بأنه تم برمجتنا كجنس بشري لنتحمل عبئ النجومية والشهرة, وبالتالي, نتيجة لتحملنا هذا العبء نعاني بل ونخسر مانحن عليه, ببساطه لأننا اصبحنا شيء أكبر من ذاتنا, وبعجزنا في تحمل هذا العبئ ننكسروننهزم.

Deconstruction of celebrity 3

في الحقيقة, مما قد يبدوا طريفاً بعض الشيء, شخصياً أشبه “فينيك” مثلاً بالنجمة “مارلين مونرو”, التي حظت بإقبال جماهيري ضخم حتى إنقلبت هذه النجومية ضدها فتحول حياتها المليئة بالشهرة والنجاح إلى حكاية من التراجيديا والمأساة, ليس هذا فقط, بل أشبهها ب”فينيك” أيضاً كونهم الأثنين على علاقات شخصية مع شخصيات سياسية مهمة, مما فقط يضيف إلى عنصر الغرابة في شهرتهم ونجوميتهم.

الأمر لاينتهي مع “فينيك” فقط, بل حتى “بيتا” و”جوانا” لم يخلوا من صلتهم بشخصيات سياسة مهمة في روايات “سوزان كولينز”, تحديداً علاقتهم بالرئيس “سنو” ذاته, حتى الفيلم قام بتحريض هذا الفكرة للمشاهد, لكن بشكل طفيف من خلال جملة أم مشهد صغير, “بيتا” مثلاً, تواجد في منزل “سنو” في أحد المشاهد لمناقشة بعض الأمور الشخصية, ولكن للأسف قد تم حذف المشهد من الفيلم, أما “جوانا”, فكان التلميح بعلاقتها مع الرئيس “سنو” لفضياً فقط, عندما صرحت هي لكاتنيس ب“الطبيب النفسي يخبرني مراراً وتكرارً بأنني سليمة, في أمان من سنو”.

Deconstruction of celebrity 4

ربط العلاقة بين النجومية والشهرة مع السياسية اجدها فعلاً مثيرة, حيث أنها تضع لي كمُشاهد صورة اكبر حول طبيعة الاثنين المتشابهة. أتذكر في سنة 2013 عند تسويق الجزء الثاني من السلسلة “كاتشينغ فاير”, شعرت بالقشعريرة عندما نظرت لأحدى الملصقات التي تروج الفيلم.

Deconstruction of celebrity 5

يظهر في الملصق كلا من كاتنيس و”بيتا” بحلة بريئة في أزياء بيضاء بينما حملت كاتنيس بيديها باقة ورد بيضاء, والتي حقاً ترمز للرئيس “سنو” ذاته, بينما شمخ من خلفهم برج عملاق ضخم, يصمد فوقهم, من تحليلي الشخصي إستنتجت بأن البرج يرمز للكابيتول, على الأغلب ليكون تلميحة أو نغزة للجمهور, بأن قوة كاتنيس و”بيتا” كمشاهير ونجوم لاتضاهي قوة الكابيتول فوقهم, التي قد تسقط عليهم في أي لحظة لتحطمهم.

Deconstruction of celebrity 6

في فيلم “موكينغجاي”, نرى بأن هذه التلميحة أصبحت واقع حقيقي نشهده أمامنا.

Deconstruction of celebrity 2

ومن خلال ختامية الجزء الأول من الفيلم, يظهر لنا مشهد حماسي شيق نجح في جمع كل من الأفكار التي ناقشتها في بداية المقالة إلى الاَن, من دعاية, ترويج, تلاعب, فبركة, شهرة وتفكيك لكل هذه الكلمات.

Deconstruction of celebrity

يبدأ المشهد مع خطاب ترويجي تلقيه الرئيسة “كوين” بحكمه ودقه بينما وقف أسفلها اَلاف الثوار يهتفون بإسمها مستعدين لإنطلاقهم إلى الحرب والقتال, بينما تنتقل الكاميرا  فنرى واقع مختلف تماماً لشابة مُنكسرة تتجول حافية القدمين في البحث عن صديقها الذي حاول قتلها منذ دقائق, والذي راح ينتفض بعنف في سريره يصارع وحوش لانستطيع رؤيتها, بينما وقفت هي هناك خلف الزجاج تحدق بصمت ونكران, تتسائل عن السبب الذي أتى بها وبه إلى هذا الحال.

سنو و كوين, قادة إلى الهلاك:

مع الحرب بأكملها على الأبواب، يستعد كل من رئيس الكابيتول “سنو” ورئيسة الثورة “كوين” في الإنطلاق، معهم جنود، خطط، دعايات، وأسلحة ومتفجرات.
قبل أن ننطلق معهم نحن أيضاً، دعونا نتوقف قليلاً ونراجع الألهام خلف هذه الشخصيتين ومالذي قد تحمله تلك الشخصيتين من معنى، حسناً، عند نظري في الأسماء نفسها، إستنتجت ليس فقط المعنى، بل حتى الأفعال التي قد يرتكبوها الشخصيتين لاحقاً في الفيلم.

 
الرئيسة “كوين” مثلاً، والتي تحمل إسم كامل يقرأ ب”آلما كوين” وتعني حرفياً “الطيبة ذات الوجهين”، فكلمة “آلما” تشتق من مصدر لاتيني، والتي تعني الطيبة، الحسنة والمتآلفة، مما يوافق شخصية الرئيسة في المنتصف الإول من الفيلم، أما كلمة “كوين” فتعني “الفيشة ذات الوجهين”، مما أيضاً يتماشى مع الشخصية في المنتصف الثاني من الفيلم. (سأوضحه لاحقاً)

coin meaning

بالنسبة للرئيس “سنو” فهو يحمل إسم كامل يقرأ ب”كورلورايس سنو” وتعني حرفياً ب”ذو المآسي وبياض الثلج” لكن شرح الأسم هو ما يثير إهتمامي حقاً، فإسم “كورلورايس” قد يعني القائد ذو الفكر الدقيق والمُخطط، منا يتماشى مع “سنو” وماضيه من أفعال وجرائم فور قيادته.

Snow meaning

سوزان كولينز” إقتبست تلك الأسامي الاتينية لتلزقها في تلك الشخصيتين الذين سوف يأتون حضارة بأكملها إلى حرب مدمرة ومصيرية.

الوجه الحقيقي للحرب:

بعد مغامرة مخيفة وخطرة من مشاهد الأكشن الحماسية التي تخوضها كاتنيس وطاقمها, يصل الفيلم إلى المشهد الحاسم, الحدث الواحد, الوجهة الأخيرة, وهو مشهد الحرب نفسها, التي أخذت السلسلة في بناء أسسها على مدى الاربعة أفلام كلها, تاركة المشاهد في ترقب وحماسية لرؤية هذه المعركة القتالية الملحمية, لكن, خلافاً على ذلك, ما حصل عليه المشاهد إختلف تماماً عن ما كان في توتقعاته, فبدلاً من القتال, والتفجيرات, والأكشن والحماس, والإثارة, ما قدمه الفيلم كان مشهد قصير من بعض الأحداث العشوائية في مدة لم تتعدى الدقيقتين, مما أثار غضب عدد كبير من المشاهدين معبرين عن خيبة أملهم في معركة قتال سيئة مفرغة من أي تشويق أو حماس.

أنا, مع ذلك, أخالفهم وجهة النظر كلياً, المشهد الذي رأيته كان صفعة قوية من الفيلم إلى كمُشاهد يأنبني فيها على مبتغاي وتعطشي لمشهد حماسي يتضمن حرب تشويقية, ليتكون هذه الصفعة تذكرة من الفيلم على أن الحرب لا تحتوي على أي تشويق أو حماس, بل يترصعها الموت, الرعب والخسارة.

Capitol attack 2

في هذا المشهد, وقفت كاتنيس وسط حشود الكابيتول الذين هرعوا لقصر الرئيس “سنو” للملجأ والحماية. بينما شاهدت الحراس أو “محافظوا السلام” وهم يجرون الأطفال من أيادي أهاليهم ليضعونهم أمام قصر الرئيس “سنو” كحماية ضد أي هجوم محتمل من الثوار.

عندها يشهد كاتنيس والحشود طائرة قادمة من الكابيتول فوقهم بحيث ترمي على الأطفال مضلات تحتوي على الأغلب طعام, شراب ودواء, بينما راح الأطفال متلهفين يرفعوا أياديهم اَملين الحصول على ذلك الطعام, الشراب والدواء.

capitol attack 1

ما أن تلامست أطراف أيادي الأطفال تلك المظلات, حتى تفجرت جميع المظلات مما أنتج في إنفجار عنيف! تسقط كاتنيس أرضاً جراء الإنفجار, بينما ملأتها الرمال والصخور, وصفرت أذنها جراء قوة الصوت الذي لحق الإنفجار نفسه, تقف كاتنيس بأرجل مهزوزة وقدم غير متوازنة, في محاولة يائسة بإسيتيعاب ما حصل.

بينما مشت كاتنيس بخطواتها بين جثث الأطفال المحروقة والممزقة, تلمح كاتنيس وجه أكثر من مألوف لها, ويلها ان يكون إستنتاجها صحيح, وما إن إقتربت هي بخطويتن إلا أن تبين لها بأن شقيقتها “بريم” تقف هناك بزي المساعدة الطبية في محاولة بإسعاف الجرحى.

“بريم!” كاتنيس تصرخ, “بيرمروز!”, وما أن تنظر إليها “بريم” حتى تنطلق قنبلة أخرى فتقتل “بريم” وتلقي كاتنيس على الأرض مشتعلة لهيباً.

Capitol attck 3

نعم, لم يكون المشهد حماسي, صحيح ولم يكن شيق أيضاً, اتعلمون لماذا؟  لأنه لم يكن من المفترض بأن يكون حماسياً أو شيقاً. وهذا ما أراد الفيلم بإيصاله إلى المُشاهد, هذه هي نتيجة الحرب, أطفال ابرياء, خسروا أرواحهم جراء قراراتنا وأفعالنا الساذجة والغبية.

Prim dying expose the true cost of war

بالنسبة لكاتنيس, فقد خسرت حينها الشيء الوحيد الذي بدأت كل شيء له, كل هذه التضحيات, المُباريات والحروب كان أساسها حماية كاتنيس لشقيقتها, فيصفع الفيلم المُشاهد مُجدداً, راغساً فكرة الحرب ونتائجها على عقل المُشاهد بالرغم عنه.

بعد ذلك, تتوجه كاتنيس إلى الرئيس “سنو”, الذي تم الحكم عليه بالإعدام نظراً لإرساله طائرة من الكابيتول لتفجير وقتل أطفال الكابيتول الابرياء, فور دخولها إلى الحديقة, تلتقط كاتنيس وردة بيضاء, فيعلق سنو ب“يا لها من وردة جميلة, لاشيء قد يكون مثالي بقد اللون الابيض”, حين إقتراب كاتنيس منه تلاحظ هي يديه المكبلتين وفمه الممتلء بالدماء, يخبرها سنو بحقيقة لم تفترضها كاتنيس, وربما لم نفترضها نحن كمشاهدين, وهي أن رئيسة الثورة نفسها, طالبة الحرية ذاتها, هي من ارسل تلك القنابل لتفجير وقتل أطفال الكابيتول.

Snow reveal's Coins true colors

في البداية ترفض كاتنيس تصديقه نظراً لعدم وجود دافع قد يجعل “كوين” تقوم بفعله كهذه, ولكن سنو يؤكد لها, أن “كوين” قامت بفعلتها هذه لتلصق التهمة ب”سنو”, وإرسالها طائرة من الكابيتول كان دافعها لأن تكون الطائرة إثبات على أن الفعلة هي فعلة “سنو” وحكومته. 

“كانت فكرة عبقرية فعلاً, فكرة انني أنا قد ارسل قنابل لتفجير وقتل أطفال الكابيتول خاصتي تبدو فعلاً أنها نافعة, فحتى حراسي إنقلبوا ضدى بعد الإنفجار, على ما يبدو انني كنت منشغل بكِ طوال هذه الفترة فغفلت عن تخطيط كوين ومؤامراتها.”

Coin, a newer version of Snow

ولكن يا كاتنيس, أنا كنت أراقبكِ, وأنتِ تراقبينني, ومن كان يُراقب كوين؟ أخشى انه كلانا تم التلاعب به.”

Coin and the selling of human life for political gains

وماهي العظة في تلك الحبكة قد تتساؤلون؟ حسناً, بغير أنها ترينا واقع يومي يحصل في ساحات الحرب, مايحاول ترجيحه الفيلم هنا هو أن الحرب لاتأتي بألوان بيضة وسوداء, بل ألوان مشوشة غير مفهومة ومعقدة, وحضارة بانيم من غير علم كانت ستبدل حاكمها الدكتاتوري بواحدٍ اَخر, فنرى رمزية “كوين” ذات الوجهين على حقيقتها, التي تسالمت مع فكرة قتل اطفال أبرياء مقابل كسبها السياسي والشخصي.

وليس ذلك فقط, بل تقترح “كوين” بعدها لكاتنيس والمنتصرون بأن تفتعل مباريات جوع رمزية أخيرة تضع فيها أطفال الكابيتول ليكون في رمزية هذا الحدث أخذ ثار للثوار والمتمردين لما عانوه من إظطهاد وقمع بمباريات الجوع التي أقرتها الكابيتول على مر السنين.

في حدث الإعدام للرئيس الدكتاتوري “سنو”, نشهد كاتنيس تسير في وسط جناح المجالدين الشهير في وسط الكابيتول, حيث نرى “سنو” مقيد بعامود بينما تقف “كوين” الرئيسة الجديدة لبانيم تلقي خطاب تعد فيه نهاية الحروب والطغيان.

“أيتها الطائر المقلد, فلتكن رميتكِ صادقة بصدق قلبكِ ونقاؤه.” “كوين” معلنة بصوت حاد ومرتفع, لكاتنيس ولشعب بانيم بأكمله.

Snow's execution 1

تقف كاتنيس مقابل “سنو” مصوبة نحوه السهم الذي قد يفتح باب الحرية والسلام لهذه الحظارة الساقطة, محدقة به عين بعين على وشك بأن تترك السهم يطير, في حينها, فقط خلال الثانية الأخيرة, تمركز كاتنيس نظرها إلى الأعلى تاركة سهمها ينطلق فيدخل في لب قلب “كوين” فيسقطها ارضاً! لتنهي كاتنيس الطغيان والقمع من جذره, مضحية بنفسها لتحقق ذلك.

Snow's execution 2

تعج الفوضى, يأتي حارسين لسحب كاتنيس من المكان نظراً لفعلتها, بينما يسرع الثائرون خلفها تهجماً على “سنو” صارخين ب“أقتلوه!, أقتلوه!”, مما في لحظتها ذكرني بمشهد واقعي لإغتيال رئيس دولة ليبيا في عام 2011 لسببٍ ما.

snow and gaddafi

تنظر كاتنيس ل”سنو” مجدداً الذي راح يضحك هو بينما سالت الدماء من فمه, فتحدق هي في قهر وعدم رضا.

Snow's execution 3

 تنتهي الحرب، ونتمعن نحن في الفوضى العارمة التي تتركه خلفها، ونشهد كاتنيس، التي بدأت السلسلة منقذة حياة (عندما تطوعت لشقيقتها بريم) وتنهي السلسلة سالبة حياة (في قتلها للرئيسة كوين)،

Katniss's first choice making

Katniss's final choice making

على وعي وإدراك بأنها هي أيضاً فُسدت جراء الحرب، كما قد نُفسد جميعنا، لو كنا في موقفها.

تصل ختامية السلسلة, ويلمح المشاهدون كاتنيس تجلس مع بيتا في الغابة تحت مغيب الشمس بالقرب من أطفالهم, نرى بيتا يلعب مع طفله على حشائش الغابة, بينما كاتنيس تراقب بهدوء تحت أغصان الشجر, بيديها طفلها الرضيع.

الجميل في هذا المشهد هو رمزيته البحته, فكاتنيس صرحت في بداية السلسلة على أنها ترفض في إنجاب الأطفال,

Katniss and kids

 على الأغلب لعدم إرادتها في أن يعيشوا أبنائها تحت الطغيان والحروب, وتنتهي السلسلة بها هي وأطفالها حيث تملأ عيونهم الأمل تحت سماء التفاؤل والسلام , والرمزية الأخرى هي الأطفال نفسهم, الذين يعنون ببساطة الحياة والبداية من جديد.

تنتهي السلسلة بهذا المشهد الجميل, العميق, الواقعي والصريح.

The ending

نظرة داخيلة لمعنى البطولة:

منذ الصغر ونحن ننظر إلى الأبطال الخارقون فنقتدي بهم، آملين يوماً بأن نصبح ولو بشيء من ما هم عليه، فهم من قاتل الشر والأشرار، هم من آتو بالعدل والحق وهم من نجحوا في تخطي جميع العقبات والمصاعب. 
ولكننا غالباً ماننسى المعنى الحقيقي لكلمة بطل، على الأغلب منشغلين بقدرة ما يستطيع هذا البطل فعله أو تحقيقه، أم ربما مشتتين في أزياء هذا البطل ونوعية الأسلحة التي يمتلكها، أم ربما حتى مهتمين بماضي هذا البطل لنرى إن كنا محظوظين كفاية لمشاركته بعض الأحداث والوقائع في حياته فنأمل أنه في يوم من الأيام..فقط ربما..قد نصبح حقاً مثله. 
على ما يبدوا أننا نسينا، أم تناسينا، أن البطولة الحقيقية تتضمن التضحية الكبرى والتي هي التضحية بالنفس لصالح البشرية، فإن كانوا سوبرمان، يسوع، كابتين أمريكا وكاتنيس مثلاً يتشاركون شيئاً واحد، فهو أنهم جميعاً عززوا فكرة الـ لا أنا وتقبلوا خسارة النفس من أجل الجنس البشري ومنفعته،

Deconstruction of a hero

 وكاتنيس تذكرنا بأنه رغم كسبها للحرب وتأمين السلام لحضارتها، إلا أنها خسرت نفسها، مُقبلة على حياة من الكوابيس والأرق مُجرّدة من أي سلام أو طمأنينة، تاركة خلفها حكاية مرعبة حول قدرة الإنسان في تدمير ذاته و سعيه للهلاك، شوقه ورومانسيته للحرب والقتل، وبالنهاية إحتياجه ورغبته في الإعمار والسلام.

conclusion

وداعاً يا كاتنيس, ستبقى إسطورتكِ مخلدة في تاريخ هوليوود إلى الأبد.

نهاية المقالة. 

1 Comment

Click here to post a comment

اترك رد

  • شنو أقول و شنو أخلي
    والله الكلام ما يوفي المقاله حقها جد تفيرت نظرتي للسلسله بالأساس ما كنت حاط ببالي ان ممكن يكون هذا المقصد
    اتمنى من كل واحد شاف الفلم يرد يشوفه بعد ما يقرا المقاله هذي
    مشكور اخي على المجهود الجبار

أكثر المواضيع قراءه هذا الأسبوع

%d مدونون معجبون بهذه: