Movie Talk: The 400 Blows

“السينما هي تعديل للحياة البائسة، هل هي فعلاً أهم من الحياة و متاعبها؟ لطالما حلمت بدخول ذلك العالم و الانغماس بملذاته، الأفلام التي أريد صناعتها هي ما كُنت سأشاهده لو لم أكن مخرج أو كاتب، هي التي سأهرب من المدرسة لمتابعتها، يوم من الأيام.. سأصنع ذاك الفلم الذي سيتكلم عنه النقاد لأجيال.. ولكن عندما يكن لدي مالاً لأضيعه” -فرانسوا تروفو

Untitled

“الموجة الفرنسية السينمائية” والتي استمرت ما بين آواخر الخمسينات وصولاً للستينات من القرن الماضي، احدثت تغير ملحوظ على السينما و صناعتها.. و أسهمت بولادة عباقرة السينما من مخرجي، كُتاب، و ممثلين، لعل ابرزهم جان قودار، كلود شابرول، إيريك رومير، و فرانسوا تروفو، لا يسعني الحديث عن تلك الموجة بالوقت الحال لإني مازلت متابع لأعمالها و مستمتع بما أرى من أفكار إخراجية و كتابية، لكن أستطيع القول بأن أغلب من تابع أعمالها يجزم بأن تحفة تروفو الخالدة “الأربعمائة ضربة” (١٩٥٩) تعتبر من عوامل الموجة و عناصرها الفعالة…

YouTube Link

فرانسوا تروفو (٢٧ عاماً) الشاب الفرنسي الحالم و الطموح بصناعة سينما، كَتب و أخرج أول أفلامه عام ١٩٥٩ تحت مسمى Les quatre cents coups (مترجم للعربية إلى: لإقامة الجحيم) و الأربعمائة ضربة يعتبر العنوان الأجنبي المسوق عالمياً للفلم، قصة و كفاح طفل فرنسي لإثبات نفسه بين عالمه و بيئته الخاصة المكونة من والداه و زملائه بالفصل، تفكيره بالحياة عبارة عن الاستقلالية الخالصة و ترك النظر له على إنه طفل يفتعل المشاكل بسبب فضوله الزائد.. عاشق لأدب الروائي الفرنسي بلزاك و متفهم لأدبه على الرغم من صغر سنه

Balzak

كان بلزاك من رواد الأدب الفرنسي و يعتبر من مؤسسي الواقعية الأدبية الفرنسية في القرن التاسع عشر في الفترة التي اعقبت سقوط نابليون وكان روائياً وكاتباً مسرحياً وناقداً أدبياً وناقداً فنياً أيضاً كما اشتهر بكونه كاتباً صحفياً وطابعة وقد ترك بصمة كبيرة في الأدب الفرنسي برواياته التي تتعدى ال91 رواية وقصص قصيرة(137 قصة) نشرت ما بين 1829 إلى 1852 وقد ولد في 20 مايو 1799، وتوفي في باريس 18 أغسطس 1850. (المصدر: وكيبيديا)

400-Blows

يفتتح الفلم بزوايا تصوير منخفضة، نرى المباني المرتفعة و الطبيعية الباريسية إلى رؤية برج إيفيل خلف تلك المباني… وكأننا نرى العالم من وجهة نظر طفل، ممزوج بموسيقى تصويرية ممتازة خدمت افتتاحية الفلم، في أحد الأيام و في فصل من فصول مدرسة من مدارس باريس… نشاهد المعلم و هو يوبخ الأطفال “يا حسرة على مستقبل فرنسا إن كُنتُم أنتم نتيجة المحصول الدراسي القادم” التعامل مع عقلية الأطفال خصوصاً بالدراسة و ترك تأثير سلبي عليهم سبب من أسباب النفور الدراسي من وجهة نظر تروفو، نرى بطل الفلم أنطوان دونيل، الفتى المشاغب و الذي يحاول قدر المستطاع إثارة الشغب بالفصل من خلال إضحاك زملاؤه أو كتابة إقتباسات بلزاك على الحائط، يفصل من المدرسة (الضربة الأولى) و يناقش أمر الفصل مع والداه على طاولة الطعام بشقتهم الصغيرة، الأم مهملة لإبنها ولا تعير أي اهتمام إلا بحالة الفقر التي هم فيها، و الأب ساذج و يتصنع الاهتمام بابنه و زوجته لكنه يفشل لفهمها، عقبة من عقبات أنطوان هي (على الرغم من وجوده مع والداه، إلى إنه يتيم بعالمه الخاص)، يقرر الهرب من البيت تاركاً رسالة لوالداه، أنطوان الآن اكتشف الوجه الحقيقي للحياة من محاولته لمساعدة سيدة لإيجاد قطتها و مقاطعة رجل له، إلى سرقته لزجاجة الحليب من الشارع، يثير تعاطف والداه و المعلم و الذين من تجاههم يبادرونه بالاهتمام و الإنصات لما لديه، أمه تحاول تشجيعه على التفوق بالدراسة و معلمه يخفف عليه الشدة و الانصرام أثناء الشرح… يُكلف بمهمة الكتابة عن قريب له، و لأنه لا ينسجم مع أهله.. يقرر الكتابة عن بلزاك ولكن بالتخفي، إلا أن معلمه يكشفه و يطرده من المدرسة و الفصل الدراسي كامل

Untitl3ed

“اختيار دونيل للكتابة عن موت جده وهذا حقه، نحن جميعنا نعرف بأنه لن يتردد بالتضحية بأقربائه لو اضطر لذلك.. استمعوا لما كتب”..

-رفع الرجل المحتضر رأسه لأعلى و ألقى على أطفاله نظرة ثاقبة، شعره مسترسل على رقبته،عيونه متلألأة.. يمسح وجهه، و يرفع يده عالياً غاضباً ثم صاح بكلمات ارخميدس الأخيرة المشهورة “وجدتها.. وجدتها” غشاش!! هل ظننت بإني لا أعلم بأدب بلزاك، أنت مفصول!!”

المشهد التالي يوضح حرق أنطوان لمدفئة الشقة (غير قاصداً) و توبيخ والده له، تكتم أنطوان لموضوع الفصل من المدرسة و خوفه من إرسال والده له للمدرسة العسكرية كان كل ما يفكر به، الغريب هو اقتراح الأم لهم للذهاب للسينما كتهدئة للأب من توبيخ أبنه (خوفاً من هروبه مرة أخرى) و الأغرب من هذا هو تغيير حالهم بعد مشاهدة الفلم، و كأن تروفو يرى بالسينما الدواء و المصل الشافي للغضب و السلبية الفكرية، تبجيل للسينما بأسلوب غير مباشر

Untit5led

الفلم عبارة عن إلهام من طفولة تروفو، لا يعتبر سيرة ذاتية و لكنه عبارة عن النص و الحبكة التي كانت في بال تروفو الطفل لكن لم يتجرأ على فعلها (أقصد الهروب من المنزل و الفصل المتكرر من المدرسة) وكأنه يحاول من خلال هالفلم يخرج الطاقة التي كانت فيه كطفل… أصبحنا نرى تروفو الطفل من خلال أنطوان، الفلم عبارة عن حلم تروفو لكيف كانت ستصبح حياته لو فعل ما فعله أنطوان، صرح بأنه لن يسامح والداه على إهمالهم له كطفل و شكر السينما لاحتضانها له، السينما كانت ملاذه من واقعه المر، وسيلة الهروب من الصدمات و الضربات

Untitl6ed

يحاول أنطوان سرقة آلة كتابة، و بعد محاولاته الفاشلة لبيعها..عوضاً عن رميها، يحاول إرجاعها ولكن يتم الإمساك به، و بعد إرساله لسجن الأحداث..يوافق والداه على إبقاءه بالإصلاحية كنوع من العقاب، تلقى الضربات من جميع الاتجاهات، قاوم بشتى الطرق لكنه اخفق بالنهاية، أنطوان غير مُلام على فعلته فهو بالنهاية يفعل ما يراه صحيحاً باستقلالية و حرية تامة، ولكن تلك الضربات سببها تواجده في مجتمع متفكك يتحكمه الكبار بعقليات الصغار، الهروب هو الحل من وجهة نظره… في حوار ما بينه و بين صديقه

“مع فصلي من المدرسة، لن أستطيع العودة للمنزل”

-و لماذا؟

“لأن أبي سيرسلني للمدرسة العسكرية”

– ستكون أفضل من المدرسة، صدقني

“لا شكراً، لو إنها كانت البحرية..لذهبت من اليوم، فأنا لم أرى البحر أبداً”

Untitle7d

رمزية الحوار تتوضح لاحقاً مع الفلم، التحرر و الاستقلالية الكامنة بطفل تنُم عن الكثير… ما الذي يعرفه طفل عن الاستقلالية و العالم أجمع، إن لم يشاهد البحر قط ولم يغادر حدود باريس أبداً؟! مشاهد الجري الطويلة إلى غير وجهة تعبير عن البحث و الاستكمال في الاستكشاف لعالم و بيئة جديدة بعيدة عن القالب السوداوي الذي يعيشه أنطوان

*حرق للنهاية*

هرب أنطوان من الإصلاحية، و اكمل بالجري الطويل، حتى انتهى به الطريق إلى…البحر، أنطوان ولأول مرة أمام البحر، بعيداً عن ضربات المجتمع، و ختام الفلم بمشهد (زوم) لوجه أنطوان و هو ينظر للكاميرا مباشرةً، حتماً من أفضل النهايات التي شاهدتها بحياتي

Untitle8d

يعتبر الفلم بصمة و إيقونة سينمائية، ليس فقط كونه إجنبياً وبعيد عن أي لمسة هوليوودية..بل كونه بداية لما سيعرف لاحقاً بسينما فرانسوا تروفو، و يعتبر أيضاً بداية مشوار ممثل من أشهر من ولدتهم فرنسا و أروربا عامةً..جان بيير ليو، الذي أبدع فعلاً بأداء الشخصية و حمل الفلم على عاتقه، تروفو و جان بيير استمروا بتقديم شخصية أنطوان دونيل بعد هالفلم ب ثلاث أفلام روائية أخرى و فلم قصير، على مدار ٢٠ عام نرى أنطوان واقع بالحب، أنطوان الشاب المتهور، أنطوان الزوج و الأب المسؤول، أنطوان الرجل العاجز عن الحب بين هفوات الزواج… ذكرني بفلم الأمريكي ريتشارد لينكلاتر Boyhood، ولكن هالمرة نحن أمام ٢٠ عام ليس ١٢، و قصة على مدار ٤ أفلام ليس فلم واحد

أهم جوائز الفلم:

ترشح الفلم لجائزة أوسكار أفضل نص أصلي

فاز بمهرجان كان السينمائي بجائزة أفضل مخرج (فرانسوا تروفو)

كلا الجائزتين خير دليل على عناية تروفو بالنص، و خفة يده مع استخدام الكاميرا

Unti9tled

“مهرجان كان ١٩٥٩، فرانسوا تروفو يتلقى المديح من قبل النقاد، و نظرة جان بيير للأمام، لمشوار حافل بالانجازات لكلاهما”

Add Comment

Click here to post a comment

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: