Movie Talk – Gravity

Gravity

رِحلة من العُزلة والسكينة و الموت الى الحياة والولادة من جديد

من كتابة وإعداد عبدالله خالد الصراف

Gravity

إحتفالاً بمرور عام كامل لفيلم جرافيتي في صالات السينما, سنتحدث اليوم عن الفيلم, معانيه, تأثيره على الجمهور وعلى السينما وصناعتها, وكيفية تركه بصمة في تاريخ هوليوود.          

فيلم جرافيتي يعتبر من أكبر أفلام العام الماضي, فحقق الفيلم أرباح تقدر ب700 مليون دولار عالميا, و حصل على سمعة ايجابية ممتازة من النقاد, تلقى الفيلم 10 ترشيحات للأوسكار, و فاز ب7 من ضمنهم أفضل مخرج. الفيلم من تمثيل جورج كلوني و ساندرا بولوك (والتي تلقت ترشيح أفضل ممثلة) لشخصية “رايان ستون”, المحور الأساسي للفيلم.

الفيلم يحكي قصة المهندسة الطبية الدكتورة راين ستون, التي ترسل في أول مهمة مكوك فضاء لها برفقة رائد فضاء مخضرم مات كاوسكي، الذي يقود مهمته الأخيرة. خلال المشي في الفضاء، يرتط حطام قمر صناعي بالمكوك ويدمره تقريباً، تاركاً الاثنان في الفضاء مع كمية محدودة من الهواء. يتوجب على الاثنان العمل للنجاة، دون وسائل اتصال بالأرض. (المصدر: ويكيبيديا)

على الرغم من النجاح العظيم المذكور أعلاه, ليس كل من رأئ هذه التحفة الفنية يشارك بالرأي ذاته, فجزء كبير من الجمهور العام انتقدوا بطأ الأحداث و النص السينمائي للفيلم, حيث أدًعوا بأن الفيلم ينجح فقط بالمؤثرات البصرية والسمعية دون وجود قصة عميقة تُسرد أو أحداث مشوَقة. صحيح أن قصة الفيلم تعتبر بشكل عام بسيطة, وأحداث الفيلم لا تتجاوز الساعه والنصف حتى وصولها الى نهايتها,

لكن, اذا نظرنا الى الفيلم من جانب مجازي أو تشبيهي, هل نستطيع بأن نجد معنى أو منظور اُخر يحاول الفيلم تقديمه؟ هل هناك قصة أخرى تُسرد؟ مُطالِبة إنتباه ووعي الجمهور؟ مخبَأة خلف تِلك المؤثرات البصرية و السمعية التي يقدمها الفيلم؟

1 ببساطة, نعم, هناك.

فيلم جرافتي هو بإختصار تعبير مجازي للحالة الذهنية و النفسية نتيجة مواجهة اللإنسان مصيبة أو مكروه, فيدخل الإنسان إلى فضاء لا متناهي من الاشيئ, العزلة, الخوف, الإحباط, اليأس والحزن.

وما معنى ذلك؟ سطحياُ, الفيلم هو قصة إمرأة تحاول العودة إلى الأرض بعدما تحطم المكوك الفضائي نتيجة حطام تركها عالقة في الفضاء.

مجازياَ, الفيلم  يرينا الحالة الذهنية و النفسية لإمرأة إنجرفت الى فضاء من الكاُبة والحزن نتيجة تعرضها لمحنة أو لمصيبة.

بكل بساطة, على المُشاهِد بأن ينظر للفيلم كتشبيه مجازي, وليس كحدث واقعي يحصل حقاً للشخصيات بالفيلم, فقط حينها يستطيع المُشاهِد رؤية القصة الأخرى التي يسردها المخرج خلال لقطات تصويرية, لا من خلال أحاديث و سرد لفضي.

أي أن الفيلم يقدم نص غني و معقد, وأنتقاد الجمهور لبساطة النص تأتي نتيجة عدم قدرة تحليل الجمهور لقصة يتم سردها مرئياٌ لا لفضياً.

لنمشي خطوة خطوة مع الفيلم من بدايته الى نهايته لنرى ما يخبأه الفيلم من تعابير مجازية, دلائل, رموز و معاني.

الفضاء:

إختيار المخرج اَلفونسو للفضاء هو ليس بصدفة, الفضاء يرمز للوحدة, السواد و السكون. فهو عالم لا متناهٍ من اللاشيئ.

إختيار الفضاء لسرد قصة الشخصيات بالفيلم هو إختيار عبقري, الفضاء يناقض الارض, وما فيها من ضجة وحياة, فهو يعكس الحالة الذهنية والنفسية لبطلة الفيلم.

 

محور الفيلم “رايان ستون”:

2      

رايان ستون هي إمرأة في العقد الثاني من عمرها, نكتشف بعد 20 دقيقة من الفيلم بأن كانت لرايان إبنة إسمها “سارة” فقدت حياتها بسِن الرابعه لسبب سخيف جرَاء إرتطام رأسها بالأرض.

التعبير المجازي هنا بأن إبنة رايان توفيت جرَاء سقوطها على الأرض, أي بفعل الجاذبية.. (عنوان الفيلم) ( Gravity بالعربية: جاذبية), سبب وجود الكائنات الحية على الأرض هو الجاذبية, الجاذبية هي العامل الأساسي لثبات الأنسان و توازنه على الأرض, فموت طفلة رايان بفعل الجاذبية التي هي من المفترض بأن تأمِن التوازن والحماية للإنسان يوضح نظرة رايان للحياة, بأنها غادرة, مخيفة و خطرة ولا يمكن الوثوق بها.

عندما يسألها “مات” (من تمثيل جورج كلوني) كيف كنتي تقضين لحضاتك في الأرض الأم؟ (لاحِظ بأن شخصية جورج كلوني يسخدم كلمة “الأرض الأم” عدة مرَات عند وصف الأرض, لفظ مجازي للأرض ورايان).

ترد رايان قائلة: “فقط أقود”. فيسألها مات: “الى اين”؟ ترد راين: “فقط أقود, عندما تلقيت خبر وفاة إبنتي كنت أقود سيارتي, فلهذا السبب كل صباح استيقظ, اذهب لعملي ثم أقود بلا هدف.”

تعبير مجازي واضح لحياة رايان, فهي تقود وتعيش حياتها دون أهداف, اَمال أو أحلام, موت إبنتها قام بجرَها وسحبِها الى فضاء لا متناهي من السواد, من اللاشيئ..

3

ما يحاول قوله الفيلم هنا بأن الحياه لا يمكن عيشها من غير امال أو أهداف, من غيرهما يفقد الشخص الإتصال بالحياة, و يصبح الشخص ميت على الأرض, يتنفس و قلبه ينبض, لكن دون فعلاً العيش في الحياة, وهي المرحلة التي وصلت لها رايان.

مع الوقت يصبح من الصعب جداً خروج الشخص من هذا الحالة الذهنية, النفسية و الروحية, فتصبح هذه الحالة نمط طبيعي للشخص. بإختصار, مايحاول الفيلم قوله هنا هو: الحادث الذي تعرَضت له أبنة رايان قتل إبنة رايان ورايان ذاتها, فقط إبنتها بشكل حرفي و رايان بشكل مجازي.

الفيلم هنا يسرد أحداث حصلت لرايان على الأرض, لحظة إبلاغها بأن أبنتكِ توفيت.

45

الإنجراف الى الاشيئ. أو الصدمة التي تلحق الكارثة, “الإنفصال عن الحياة”.

678

بوستر الفيلم يرمز ويشير الى الشيئ نفسه:

9

صوت الحكمة “مات كاوسكي”:

 من تمثيل (جورج كلوني) مات هو نقيض رايان, اذا كانت رايان تمثل الإنطواء, الحزن والاشيئ (بالإنجليزية: Nothingness), مات يمثل بالنقيض التفاؤل, الفرح والحياة, فهو “يعيش باللحظة” و يقدر الحياة وجمالُها.

وجود مات في الفيلم هو لتوضيح نظرية بأن لكل شيئ نقيض, حياة/اللاشيئ, موت/ولادة, حزن/فرح, أرض/فضاء إلخ..

10

المشهد المجازي الاَخر هو عندما يحاولا مات ورايان الدخول الى المكوك الفضائي, فيعلقان الإثنان في المنتصف, بين الفضاء القاتم و المكوك الفضائي المشع بالنور(الحياة والاشيئ), مات يوضح لرايان بأنه يجرها معه, أي عليها بأن تتركه وتعود للمكوك (عليها بأن تخرج من دوامة الحزن بسبب موت إبنتها, والعودة الى الحياة), ترفض رايان الفكرة وتتشبذ بمات, غير اَبهة تحذيرات مات بأنه في حال لم تتركه سيموتوا الإثنين معاً.

111213

رغم معرِفة مات بأنه سيموت قريباً, نرى مات في حالة ذهنية صافية ووجه مبتسم, فهو بِعكس رايان, في إستسلام تام للحياة, الموت والقدر.

14

النقيض هنا يصبح واضحاُ عندما نشهد مات يلقي الحكمة لرايان بأنها “عليها تعلُم النسيان” وإبعاث الأمل فيها ب”أوعديني بأنكِ ستقوامي, بأنكِ ستنجين”, حيث تجيبه رايان ب”سأنجو”.

تدخل رايان المكوك مع نسبة منخفِضة من الأكسجين, نازعة الزي الثقيل حيث نرى مشهد مجازي لولادة رايان من جديد.

15

من بعد هذا المشهد, تحاول رايان كل ما بوسعها للعودة, لكن جميع المحاولات بائت بالفشل (أو هذا ما إعتقدته رايان), تقوم بطلب المساعدة محاوِلة الإتصال بمحطات الإتصال بالفضاء فيجيبها رجل صيني لا يفهمها ولا تفهمه, رايان تستنتج بأن الرجل يقوم بمكالمتها من الأرض, حيث تستطيع رايان سماع صوت كلب ينبح وطفل رضيع يبكي, تقوم رايان بالنباح والبكاء, غير مستعِدة للموت القريب.

مايحصل هنا هو وصول رايان الى لحظة إدراكها بأنها ستموت بعد دقائق أو ساعات, “سوف أموت, أعلم بأننا جميعاً سنموت, لكني سأموت اليوم, والشيئ الغريب هو بأني لازلت خائفة, لن يبكي علي أحد ولن يصلَي علي أحد.”

رايان أنتظرت الموت منذ وفاة أبنتها, رفضت الحياة بما فيها وتوقفت عن العيش, لكن فقط عند مواجهتها الموت وجهاً لوجه, نرى غريزتها الإنسانية للبقاء وللرغبة في النجاة.

16

تستسلم رايان للموت, تقوم بإطفاء الأكسجين بالمكوك, تستمع الى الرجل الصيني وهو يغني لطفلته فتغلق عينيها وتنام.

هنا يصل الفيلم الى جانب روحي:

17

وجود هذه الصورة هي دليل أو تأكيد من المخرج بأن الفيلم وصل الى جانب روحاني (بالإنجليزية: Spiritual)

تصحى رايان لتجد مات بجانبها بعد دخوله المكوك, تتفاجأ رايان بنجاة مات, وتقول له بأنها حاولت كل شيئ ولم تنجح, فهي تستطيع الإقلاع ولكنها لا تعرف الهبوط. فيجيبها مات: ” الإقلاع و الهبوط هو الأمر ذاته, هل حاولتي طرق أخرى,هناك دائماً شيئاً اَخر لتجربته”, فتجيبة غاضبة: “جربت كل شي وأخقت كل مرة!”.

حينها مات, عنصر الحكمة والمنطق بالفيلم, يواجه رايان بهذه الكلمات:

“هل تريدين العودة أم لا؟ أنا أتفهَم, يعجبكِ الوضع هنا, لا أحد يستطيع أيذائكِ, هنا أمان, ولكن من الفائدة من العيش أذاً؟ أبنتكِ توفيت, لا محنة أكبر من هذهِ, ولكن ما المهم هو ما تفعلينه الاَن, اذا اردتي العودة فعيشي الحياة بما فيها, أستلقي وإستمتعي بالرحلة, رايان…حان وقت العودة.”

تصحى رايان لتجد نفسها وحيدة, ووجود مات كان من الممكن بان يكون مجرَد حلم, أو هلوسات عقلية نتيجة إنخفاض الأكسجين, أو إلهام روحي قادم ليساعد رايان, جميعهم إحتمالات ممكنة ولا أعرف الجواب الأكيد لهذه الإحتمالات.

تنجح رايان بالذهاب الى المحطة الصينية والتي ستعيدها الى الأرض, تحاول رايان تذكر كلمات مات وما قاله لها: ” الإقلاع و الهبوط هو الأمر ذاته” (نظرية التناقُض) فتكررها رايان, وتفهم ماترمز إليه هذه الجملة، هذا صحيح، السقوط هو بمثابة الوقوف، وهو نقيضه بنفس الوقت. (موت إبنتي أسقطني أرضا، وهو الذي سيوقفني مجددا.)

ماكان يعنيه مات هنا, بأن دخول الإنسان الى فضاء من اليأس والحزن هو بمثابة خروجه, رايان تستطيع تحويل سقوطها وإنكسارها وفشلها إلى نهوض ومثابرة ونجاح.

18

صورة أخرى تذكِر الجمهور بأن مايحصل الاَن هو دون شك وجود عامل روحي في رحلة رايان, وأنه, سواء كنت مؤمن بوجود خالق أو لا, التكنولوجيا/المادة وحدها لا تستطيع إنقاذك دون تدخَل أو مساعدة من قوى أسمى. (هذا التحليل يعبر فقط عن رأيي الشخصي).

19

تتشبذ رايان بمقعدها هابِطة الى الأرض,مُستعِدة لمواجهة الحياة بجرأة, مُقتنِعة وأخيراً بأنه ما يهم في هذه الحياة ليس الماضي أو المستقبل, بل اللحظة التي نعيشها الاُن, فهي كل ما نملُك. تقول رايان: “هنالك إحتمالين, إما أن أهبط سليمة على الأرض لأروي قصتي, أم أني سأموت حرقاً في الدقائق القادِمة, لا ضرر سيحصل في كلا الحالتين, لأنه في الحالتين, ستكون الرِحلة مذهلة, وأنا جاهزة لها.”

تنجح رايان بالعودة إلى الأرض ونرى حينها مشهد خلاب يرينا فيها رايان داخل المكوك الصغير فوق الأرض الأم, نسمع أيضا صوت إمرأة تغني من خلال المشهد.

20

“اردنا إستخدام صوت إمرأة تغني لتكون الأرض تعبير مجازي للأم, وكأن الأرض تنادي راين, فالأم محور أساسي بالفيلم, محنة رايان تكمن بأنها فقدت إبنتها.” (المصدر:–المخرج ألفونسو كورون.)

 

هبوط رايان على الماء هو إختيار المخرج ليرينا رايان وولادتها من جديد, فإختار المخرج نظرية التطور الإنساني لإيصال الرسالة. التطور الإنساني طبعاً, هو تطور الإنسان من سمكة, أي قدوم الإنسان من الماء. (ولادة رايان من جديد)

212223

وجود الضفدع يشير الى نفس المعنى.

تسبح رايان وصولاً الى الشاطئ

24

النظرية تدعي بأن بداية الإنسان كانت سمكة, فالإنسان يحمل بجسمه 85 بالمائة ماء, ثم تطور الإنسان الى زاحف, قرد الى إنسان. (النظرية لا تمثل رأي المخرج, فهي فقط أستخدمت مثل بقية الفيلم, كتعبير مجازي.)

تصل رايان الى الأرض اليابسة متشبذه برمالها, شاكره الله وجودها على الارض

25

تحاول رايان الوقوف على الارض من غير توازن, كطفل صغير يحاول أن يأخذ خطواته الأولى, في هذا المشهد تعبير مزدوج, حيث شهدنا رايان كسمكة تسبح من الماء, كزاحف يزحف الى الشاطىء, ثم قرد يقف على أربعة,

26

الى أن تقف رايان على قدميها.

المخرج يبقي الكاميرا على الارض, مصوَراً رايان من الأسفل حيث تظهر كمخلوق عملاق, ليرينا بأنها تخطًت ظرفها, هزمت حُزنها, وتغلّبت على كل ما وقف في طريقها, لتُكمل رحلتها في هذه الحياة.

نعم, الماَسي ستحصل, لكن الإستسلام هو أكبر مأساة.

2728

بالنهاية,

هذه التحفة الفنية هي إستكشاف عميق لمصطلحات الحياة, الموت و الولادة. الإرادة في البقاء والنجاة, وهذة المصطلحات هي أكبر بكثير من مجرد فيلم تبلغ مدته ساعه ونصف, حيث إختار المخرج ألفونسو بأن يكون الفيلم تعبيراً مجازياً لهذه المصطلحات.

جرافيتي هو ليس مجرد فيلم, فأنت لا تستطيع وصفه بكلِمة أو جملة, لأنه يقدم فكرة, ويتعمق فيها, فتصبح أفكار عدة, تُشكِل رِسالة مُهمة موجَهة لكل إنسان على وجه الارض: لا تحزن, لا تيأس ولا تفقد اُمالك, أنت قادر على تخطي أي عقبة تٌسقِطُك أرضاً لتقف مجدداً, شامِخاً على قدميك.

3 تعليقات

Click here to post a comment

اترك رد

أكثر المواضيع قراءه هذا الأسبوع

%d مدونون معجبون بهذه: